الجريمة المتواصلة بحق أطفال الدواعش

الجريمة المتواصلة بحق أطفال الدواعش

27 يناير 2022

(فاتح المدرّس)

+ الخط -

يحتل طفل أميركي عناوين الأخبار إن اختطفته عصابة أو فقده ذووه في أثناء نزهة على الشاطئ. في المقابل، مئات الأطفال عديمي الجنسية تخلت عنهم دولهم بلا ذنب اقترفوه مختطفون رهائن منذ أسبوع في سجن الحسكة في سورية، معرّضون للموت في أي لحظة، إن هاجمت القوات الأميركية وعملاؤها من جماعة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) سجن الحسكة المؤقت (غوانتنامو مؤقت منذ عقدين) لتحرير السجن من قبضة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). لا صور للأطفال، ولا الأمهات، ولا يحتلون عناوين الأخبار. القصة هي عودة "داعش"، وكيفية مواجهة خطره الداهم.

شكّل هجوم "داعش" فرصة للتذكير بكارثة أسر الدواعش، بحسب "نيويورك تايمز"، أول من أمس الثلاثاء، "ما يقدر بنحو 3500 محتجز في السجن المكتظ. وهناك ما يصل إلى 700 قاصر، حوالي 150 منهم من مواطني دول أخرى وصلوا إلى سورية أطفالا صغارا مع ذويهم الذين انضمّوا لدولة الخلافة". وبحسب الصحيفة الأميركية، "سلط حصار السجن الضوء على محنة آلاف الأطفال الأجانب المحتجزين منذ ثلاث سنوات في المعسكرات والسجون في المنطقة الذين هجرتهم بلدانهم". وتكشف أن من النزلاء صِبية لا تتجاوز أعمارهم 12 سنة. نُقل بعضهم إلى السجن، بعد أن اعتبروا أكبر من أن يبقوا في معسكرات الاعتقال التي احتجزت عائلاتٍ يشتبه في أن أفرادهها من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية. وتوضح "عندما يصبح الأولاد في المعسكرات مراهقين، يتم نقلهم عادة إلى زنازين مكتظة، الغذاء والرعاية الطبية وحتى ضوء الشمس فيها شحيحان". و"تزداد محنتهم صعوبة عندما يبلغون 18 عامًا. على الرغم من عدم توجيه أي تهمةٍ لأي من الشباب الأجانب بارتكاب جريمة، إلا أنهم وضعوا مع عموم السجناء، حيث ينام مقاتلو داعش كل ثلاثة على سرير".

تقيّد الجريمة ضد مجهول. دول عربية وغربية تنكر مواطنيها، مقاتلين مذنبين كانوا أم أسرا بريئة تُعاقب بجريرة الآباء. والعالم يتفرّج على الجريمة البشعة المرتكبة يوميا وبرعاية أميركية. وهو ما يساهم في صناعة نسخة جدّية من "داعش"، سواء داخل المعتقلات أم من ذويهم خارج المعتقلات، والذين يرون كل هذا الظلم بلا أفق. تنقل "نيويورك تايمز" عن مدير المعهد الأميركي لمكافحة الإرهاب أرديان شاكوفسكي قوله إن المسلحين الذين تم اعتقالهم في هجمات منذ فقدت المجموعة آخر أراضيها قبل ثلاث سنوات يبدو أنهم أصغر سناً، ومن عائلات ذات أعضاء أكبر سناً مرتبطة بداعش، "إذا كان الأمر كذلك، فهذا جيل جديد من مجنّدي داعش، يغيّر حسابات التفاضل والتكامل والتهديدات بعدة طرق".

المحزن والمخجل أن العالم أخذ قرارا يشبه قرار القيادة النازية بالحل النهائي، أي التخلص من اليهود، فالعالم الحر وغير الحر قرّر التخلص بصمتٍ من أسر مقاتلي "داعش"، نساء وأطفالا. ويبدأ هذا الحل بنزع الإنسانية عنهم بحرمانهم من الجنسية والشخصية القانونية، يعيشون بالسجن المؤبد في معسكرات اعتقالٍ بلا محاكمة، في ظروفٍ تفتقر لشروط الحياة الإنسانية.

وكانت "هيومان رايتس ووتش" قد اتهمت، في 2019، السلطات العراقية وسلطات إقليم كردستان بأنها تعتقل وتلاحق غالبا الأطفال الذين ليست لهم أي صلات مزعومة بداعش، وتعذّبهم لانتزاع الاعترافات، وتحكم عليهم بالسجن بعد محاكمات سريعة وغير عادلة. وقدّرت المنظمة عدد المحتجزين بنحو 1500 طفل لشبهة الانتماء إلى التنظيم، ودانت مئات الأطفال، بينهم 185 أجنبيا على الأقل، بتهم متصلة بالإرهاب.

سواء انتهت مأساة سجن الحسكة بالتفاوض أم بمجزرة، الجريمة مستمرّة، ولا أحد يريد أن يعرف بوجود آلاف الأطفال الأبرياء في السجن، ولا دولة تريد أن تستقبلهم، سواء دولهم أم الدول الغربية التي تستقبل لاجئين. المطلوب التخلص منهم بصمت. ربما يكتب بعضهم مذكّراته، وتجد من ينتجها فيلما سينمائيا، ساعتها سيُصعق المشاهدون ويستغربون كيف سُمح بتعذيب هؤلاء الأطفال بلا ذنب؟ المؤكد أننا نشاهد دراما على الهواء، تخيّل أزيز الرصاص والانفجارات وتحليق الطيران فوق رؤوس الأطفال ولا يجدون من يلوذون به. مجرّد أرقام بعد نهاية العملية "نجحت قوات سورية الديموقراطية، بدعم أميركي، في تحرير سجن الحسكة من مقاتلي داعش، وقتل في العملية 89 مقاتلا و34 قاصرا و10 نساء"، من نجوا من الموت يتمنّون لو كانوا في عداد الموتى حتى لا يذهبوا إلى معسكر الاعتقال.