الجامعة العربية بمناسبة "انقلاب" تونس؟

الجامعة العربية بمناسبة "انقلاب" تونس؟

20 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

بدا بيان جامعة الدول العربية بشأن الانقلاب على الدستور في تونس مخجلاً لمؤسسة إقليمية يفوق عمرها عمر الأمم المتحدة، وكأن هذه المؤسسة الإقليمية العريقة لم تمر عليها رياح التحول أو التغيير، وأصبحت مجرد مؤسسة لمتقاعدي وزارة الخارجية المصرية.

يقال في علم البيولوجيا دوماً "العضو الذي لا يستخدم يضمر". ويبدو ذلك صحيحا أيضا في علم السياسة، فالشخص الذي لا يقاتل من أجل صلاحياته داخل النظام السياسي يختفي دوماً وربما ينتهي تماماً، والمؤسسة أو الهيئة التي لا تلعب دوراً حيوياً في تنشيط النظام السياسي وتفعيله تضمر تدريجياً حتى يضمحل دورها نهائياً.

يبدو ذلك صحيحاً تماما بالنسبة لجامعة الدول العربية اليوم، المؤسسة التي ربما نحن اليوم في أشدّ الحاجة لها، فما يجري في المنطقة العربية ليس بالشيء الذي يحدث كل يوم، وليس من نوع الأحداث السياسية الصغرى، إنها إعادة ولادة نظام إقليمي جديد ووفاة النظام السياسي العربي التقليدي، كما عرفناه عقودا، والمؤسسة المناط بها أن تلعب دوراً في بناء هذا النظام السياسي العربي الإقليمي وتقويته غائبة تماماً في أحسن الظنون، إذا لم نقل إنها لم يعد لها وجود عملياً.

أسباب عديدة يمكنها تفسير هذا الانهيار الكامل، في مقدمها أن الأنظمة السياسية العربية ذاتها، الممثلة في هذه المنظمة الإقليمية ليس لها أي إيمان بدور هذه المؤسسة. ولذلك تغدو الحاجة إلى تغيير النظام السياسي العربي مصيرية، وهي مسألة حياة أو موت إذا ما فكرنا في التحدّيات الإقليمية الرئيسية التي تواجه الإقليم العربي، وأولها بكل تأكيد إعادة الأمن والاستقرار ونهاية خطر الإرهاب، وضمان الانتقال الديمقراطي السلمي في بلدان الربيع العربي أو الثورات العربية، وبناء نظام إقليمي عربي تعكس الطموحات الكبرى للمواطنين العرب، بإيمانهم بانتمائهم العربي، ورغبتهم في البحث لهم عن مكان بين الأمم اليوم.

من المخزي أن تكون الجامعة أقدم عمراً من الأمم المتحدة، ومن كل المؤسسات الإقليمية الأخرى، ولا تستطيع الخروج من أزمتها الهيكلية

يجب أن ندرك اليوم أن النظام العربي المطلوب تغييره، ليس هو "ميثاق جامعة الدول العربية وما انبثق عنه من معاهدات واتفاقات تحكم العلاقات العربية وفق ما ورد في نصوصها"، كما أن "النظام العربي" لا يتعلق فقط بالعلاقات البينية العربية، وإنما يشمل هيكل النظام السياسي وبناءه الذي قام عليه نموذج الدولة القُطرية أو الوطنية، بحيث يشمل آلية صنع القرار في النظام والعلاقة بين المؤسسات الدستورية والتشريعية والتنفيذية والقضائية، وطبيعة عمل السياسة الداخلية بمجملها والخارجية أيضاً.

كان غياب جامعة الدول العربية عن لعب أي دور، حتى ولو على المستوى التوجيهي العام لمراحل التحول الديمقراطي، بعد ظهور المظاهرات الشعبية في بلدان الربيع العربي، دور رئيسي في فشل عملية التحوّل، وخصوصا إذا قورن بالدور الذي لعبه الاتحاد الأوروبي في عملية التحوّل الديمقراطي في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كان حاسماً في توجيه عملية التحول، ومن ثم نجاحها، بشكل سلمي ومدروس، على الرغم من اختلاطها بالعنف في بلدانٍ كثيرة، كما هي حال رومانيا.

لعبت جامعة الدول العربية دورا في طلب حماية المدنيين في ليبيا، وبعد ذلك انكفأت تماما، حتى لم تعد تكترث بإصدار أي بيانات ذات معنى سياسي، فضلا عن غياب المبادرات لحل الأزمات المتراكبة في اليمن وليبيا وسورية والاحتلال الإسرائيلي، وترك ذلك كله للأمم المتحدة والدول الإقليمية التي لديها مصالح ورغبات متناقضة.

وقد تجلى موت الجامعة ذاتها في غياب المحاولة وقناعة قيادتها أنها لن تقوم بأي جديد أو مفيد، وبالتالي لا جدوى من المحاولة، على الرغم من أن المحاولات، حتى ولو عبرت عن فشل، إلا أنها دليل ما على الحيوية، وهو ما يبدو الشيء الذي تفتقده الجامعة اليوم كلياً.

ما تفتقده الجامعة اليوم، وقبل كل شيء، قيادة ذات رؤية وإيمان بقدرة المؤسسة على التغيير

مصير جامعة الدول العربية على المحكّ، ولا معنى لمؤسسةٍ يعلق عليها العرب آمالا كثيرة، لكنها تنوء تحت ثقل وعبء يفوق قدرتها على العمل. المشكلات البنيوية التي رافقت تأسيس الجامعة منذ ولادتها معروفة، لكن من المخزي، لنا نحن العرب، أن تكون الجامعة أقدم عمراً من الأمم المتحدة، ومن كل المؤسسات الإقليمية الأخرى كالاتحادين الأوروبي والأفريقي ومنظمة الأميركيتين، ولا تستطيع الخروج من أزمتها الهيكلية في إعاد بناء هياكلها وأسسها على معايير جديدة، إنها تعبير مطلق عن اليأس العربي، والفشل في بناء نظامهم السياسي، وترك الأمر للآخرين للقيام بذلك.

ما تفتقده الجامعة اليوم، وقبل كل شيء، قيادة ذات رؤية وإيمان بقدرة المؤسسة على التغيير، فانعدمت فيها المبادرة، واكتفت بأن تكون تعبيرا سيئا لفشل الأنظمة السياسية العربية. ولذلك تباعدت الفجوة كليا بين المواطن العربي وحلمه في أن تلعب الجامعة أي دور مفيد فيما يتعلق بحل مشكلات الهجرة أو التنقل أو المواصلات أو تعزيز التجارة البينية وغيرها مما كان الدافع الأول لكل التنظيمات الإقليمية الموازية للتطور والتحديث.

من الضروري اليوم الخروج من الإطار التوصيفي والتجريدي، للدخول في عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بالجامعة اليوم، ولعل الكلام النظري الكثير عن المشروع النهضوي العربي الذي سيطر على الخطاب العربي في التسعينيات من القرن الماضي محله اليوم في التفكير كيف يمكن للجامعة أن تتحوّل إلى محرّك ديناميكي وحيوي لإيجاد آليات تعزّز الإيمان بأن الفضاء العربي ما زال ممكنا.