الثورة التونسية .. طريق متشعب إلى الديمقراطية

26 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

عندما انفجرت الثورة التونسية في ديسمبر/ كانون الأول 2010، كانت في جوهرها ذات أهدافٍ سياسيةٍ واضحة، على الرغم من الحضور القوي للمطالب الاجتماعية، وربما هذا ما منحها ميزةً نوعيةً عن انتفاضاتٍ مشابهةٍ حصلت في البلاد، خصوصا أحداث جانفي (يناير/ كانون الثاني) 1978، وما سميت بثورة الخبز، جانفي 1984.

ومع بداية الانتقال الديمقراطي، والتركيز على بناء المؤسسات السياسية، ظل الملف الاجتماعي المدخل الذي عطّل استقرار النظام السياسي الناشئ بصبغته الديمقراطية. وكان عزمي بشارة، في كتابه "الثورة التونسية المجيدة .. بِنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، قد حذّر من "أن الباب الرئيس لعودة الثورة المضادّة وعناصر من النظام القديم إلى الحكم في تونس أو غيرها هو هذا الخوف من الفوضى لدى قطاعات من المجتمع". وكان المدخل إلى صناعة الفوضى وعرقلة المسار الديمقراطي هي الملفات الاجتماعية الحارقة التي تراوحت بين التحرّكات القطاعية التي تقودها النقابات من أجل تحقيق مزيد المطالب لمنظوريْها من جهة والاعتصامات والاحتجاجات الفوضوية التي تتم تحت شعارات المطالبة بالتنمية وحل مشكلات البطالة والتفاوت بين الجهات.

بعد سنوات عشر، لا يمكن إنكار أن الثورة المضادّة نجحت جزئيا في ما سمّاه عزمي بشارة "خلق فجوات بين فئات من الشعب" التونسي، بغرض مجاوزة ثنائية الصراع بين أنصار الثورة والثورة المضادّة، لتتحوّل إلى صراعاتٍ فئوية وقطاعية وأحيانا جهوية (مثل ما حصل من إثارة نعراتٍ قبليةٍ في مناطق مختلفة في البلاد)، وهي تكشف عن رغبةٍ ثاويةٍ في تخليق حالاتٍ تمسّ الدولة الحديثة ذاتها في أسسها الجامعة التي تتجاوز الذهنية القبلية والمناطقية.

صعود قوى شعبويةٍ زادت في تأزم الوضع السياسي أكثر من أن تكون مدخلا إلى تقديم حلول للعملية السياسية وتطويرها

لا يمكن التقليل من النجاحات التي تحقّقت بعد سقوط نظام الاستبداد في محاولة بناء نظام سياسي جديد، قائمٍ على التعدّدية واحترام الحقوق والحريات، غير أن هذا النجاح ذاته هو الذي فتح الباب أمام قوى الثورة المضادّة للتمدّد، عبر تشكيل الأحزاب والجمعيات، وتلقّي إمداداتٍ من قوى إقليمية لا تخفي عداءها لثورات الربيع العربي، فهؤلاء الذين يدفعون نحو إفشال الانتقال الديمقراطي، وترذيل النظام البرلماني، وتصوير الحريات وكأنها كارثة جلبتها الثورة، هم ذاتهم أكبر المستفيدين من حالة الحرية والتعدّدية، فلم يكن واردا في الأذهان أن تتمكّن شخصيات من بقايا نظام الاستبداد من أن تصل إلى البرلمان، وأن تتحوّل إلى كابوسٍ يهدّد المسار الديمقراطي، مثلما يرد في خطابات قوى سياسية سلطوية، مثل الحزب الدستوري، لولا استفادتها من الحرّيات التي أسّست لها الثورة دستوريا وواقعيا.

وما زاد في تعقد مسار الانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة هي حالة القصور السياسي لدى كثيرين من قادة الأحزاب والناشطين السياسيين، ومنهم من كان نصيرا للثورة، مناديا بالديمقراطية، ولكن حالة التنازع على السلطة والبحث عن مواقع نفوذ داخل الدولة، قد دفع هؤلاء إلى اتخاذ مواقف تصبّ في خانة الثورة المضادّة، حتى وإن كانت من دون وعي من أصحابها.

لقد أصبح واضحا الآن، من خلال التجربة التونسية، أن نجاح التجربة الديمقراطية لا يتحقق بمجرّد رفع شعاراتها والاعتقاد بمبادئها، أو حتى الالتزام بنتائج صناديق الاقتراع، فكل هذه الممارسات أدّت إلى نوع من الركود الديمقراطي، وعزوف الأجيال الجديدة عن الممارسة السياسية والمساهمة في العمل الحزبي، وهو ما رأينا آثاره في الانتخابات الرئاسية والتشريعية أخيرا (2019)، من خلال صعود قوى شعبويةٍ زادت في تأزم الوضع السياسي أكثر من أن تكون مدخلا إلى تقديم حلول للعملية السياسية وتطويرها.

لا يمكن التقليل من نجاحات تحقّقت بعد سقوط نظام الاستبداد في محاولة بناء نظام سياسي جديد

ما كشف عنه مسار الثورة التونسية المتشعب، بما فيه من تراجعات أحيانا، أن إدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي، وصولا إلى تثبيت أركانها وتعزيز حضورها، تتطلب قدرا من الصبر والمهارة، لأن هذه المرحلة حافلة بالتوترات والتناقضات، وتتطلب من القيّمين عليها درجة من الاتفاق على الحد الأدنى الضروري الذي يساعد على استمرار المسار والحفاظ عليه.

ربما كانت الأزمة السياسية الحالية في تونس تكمن في غياب شخصياتٍ وطنيةٍ وازنة، تكون محل إجماعٍ لإيجاد حلول وآليات للحوار والتفاهم، بعيدا عن الإقصاء المتبادل والرغبة في الهيمنة، فالديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرد القوانين في حرفيتها، وصراع مفاهيم حول الشرعية والمشروعية، وإنما هي أساسا قيم وثقافة وأسلوب حياة ونمط لإدارة الأمور، تجد حمايتها في إيمان المجتمع بها، وثقته بمؤسساتها، وهو ما يتطلب من كل الأطراف (على الأقل التي تؤمن بالثورة)، أن تتخلّى عن الدخول في معارك جانبية وعدم الانسياق وراء الرغبة في الانتقام من الخصوم السياسيين، وإدراك أن الحل لا يكمن في وصفات جاهزة أو نماذج سابقة، بل ينبغي استكشاف السبيل الأمثل نحو نظام ديمقراطي مستقر، وإفشال كل محاولات الردّة الساعية إلى إعادة نظام الاستبداد.