التَوَرّم الإماراتي يطاول الجزائر

27 نوفمبر 2020
الصورة

فلسطيني يلوح بعلم الجزائر في مواجهة في قرية كفر قدوم ضد الاحتلال (25/9/2020/فرانس برس)

+ الخط -

لا ينمّ التضخّم الإماراتي عن حالةٍ صحية، تعني بالضرورة أن الإمارات الصغيرة باتت لاعباً قوياً على الساحة الإقليمية، بعضلاتٍ مفتولةٍ تمتد وتتمدد من بحر العرب إلى أقصى المغرب الغربي. ولا يعني هذا التضخّم أن هذه الإمارات الصغيرة قادرةٌ على قيادة القاطرة العربية بعد تخلي القوى العربية التقليدية، مصر والسعودية والعراق وسورية والجزائر، عن مواقعها القيادية طوعاً أو كراهية. وبالتشخيص السريري، والتشريح الجراحي، لا يظهر في التضخّم الإماراتي سوى تورّم مرضي ناتج من التهاب "أنا" صانع القرار في أبوظبي.
وليس في تشخيص التورّم الإماراتي، بالحالة المرضية، تجنّ لا موضوعي، أو خطأ طبي، فالسلوك العام لصانع القرار في إمارة أبو ظبي التي تحتكر قرار الاتحاد الإماراتي يشي بالأعراض المرضية التي أصابت الإمارة منذ وفاة الشيخ زايد. ظهرت أول أعراض هذا التورّم المرضي بعد فترة وجيزة من تولي محمد بن زايد دفّة الحكم في أبو ظبي، بعد تغييب رئيس الدولة الشرعي، خليفة بن زايد، إذ شرع في تقليم أظافر إمارة دبي، جارة أبو ظبي وشريكتها في الاتحاد، مع تحجيم حاكمها (نائب رئيس الدولة) محمد بن راشد. ولم تعد خافية أو سرّية حكاية استيلاء أبو ظبي على برج دبي الذي صار اسمه بين ليلة وضحاها برج خليفة، عندما ساوم محمد بن زايد إخوانه في دبي على تغيير اسم البرج في مقابل مساعدة مالية تفك زنقة دبي التي تضرّرت كثيراً من الأزمة المالية العالمية 2008. وفي زمن ليس بعيدا عن حادثة الاستيلاء على برج خليفة، برج دبي سابقاً، حاولت أبو ظبي الاستيلاء على شركة طيران الإمارات، وعندما فشلت، أطلقت شركة طيران الاتحاد، لتصبح المنافس الأول لطيران الإمارات المملوكة لإمارة دبي، ويديرها أحمد بن سعيد آل مكتوم. ومن المرجّح أن تدفع دبي مزيدا من الأثمان الباهظة، مستقبلاً، سيما وهي تبدي بصمتٍ اعتراضاً محسوسا على بعض سياسات أبو ظبي، في معاداة إيران مثلا.
تضاعف التورّم الإماراتي بعد ذلك إلى خارج الحدود، مع استيلاء الجيش المصري على الحكم إثر إطاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي، وتنصيب عبد الفتاح السيسي، تحت جناح مسرحية "ثورة" يونيو 2013، والتي كشفت الأيام كيف رسمت أبو ظبي فصولا فيها، وموّلت "أبطالها"، وعملت لاحقاً على توفير الدعم المالي السخي لنظام الانقلاب. ومع استيلاء أبوظبي على الحكم في القاهرة، تضخّم ورم أبو ظبي أكثر، لتمتد مخالبها إلى اليمن، واحتلال أجزاء من أراضيه، بعد إعادته إلى عصر ما قبل الوحدة. ثم طالت يد أبو ظبي لتصل إلى ليبيا التي تبعد آلاف الكيلومترات عن الإمارات، وراحت هناك تمد الجنرال المتمرّد خليفة حفتر بالمال والسلاح والمرتزقة.
أحدث فصول التورّم الإماراتي، وبعد أن شدّت أبوظبي ظهرها بالحليف الإسرائيلي، راحت ترسل التهديدات إلى جمهورية المليون ونصف المليون شهيد. وتقول تسريبات نشرتها وسائل إعلام فرنسية وجزائرية إن محمد بن زايد أرسل تهديداً مباشراً إلى الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، وحمل الرسالة الملحق العسكري الجزائري السابق في أبوظبي، والرئيس الحالي للمديرية العامة للأمن الداخلي، وفيها غضب وتهديدات إماراتية بسبب تصريحات الرئيس تبون عن الدول العربية التي تطبع علاقاتها مع إسرائيل في 20 سبتمبر/ أيلول الماضي، استهدف فيها الإمارات مباشرة. هدّد حاكم الإمارات القيادة الجزائرية بتبنّي عقوبات إقتصادية وسياسية مع مراجعة كاملة للتعاون الاقتصادي بين البلدين. وليس غضب محمد بن زايد من الجزائر جديدا أو طارئا، بل يرتبط بملفات أخرى، في مقدمها علاقات الجزائر بإيران وتركيا، وموقفها من الجنرال الليبي حفتر. وربما، وهذا الأهم، هو خلاف مفتعل من بن زايد لتدبير أمر في ليل لتحييد الجزائر عن دائر الفعل العربي، كما وقع تحييد دول عربية كبرى، ليخلو ما تبقى من الفضاء العربي لـ"الأنا" الإماراتية المستمرّة بالتورّم.