التنمية المستقبلية في الصين

27 نوفمبر 2020
الصورة

مؤتمر صحفي بعد انتهاء عمل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في بكين (30/10/2020/Getty)

+ الخط -

انتهت، قبل أيام، اجتماعات اللجنة المركزية الـ19 للحزب الشيوعي الصيني (الحاكم)، والتي تنعقد مرة كل خمس سنوات، إلى إقرار الخطة الخمسية الـ14 للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية من عام 2021 وحتى 2025، والأهداف الوطنية طويلة الأجل حتى عام 2035، وذلك جرياً على عادة الحزب في إعلان خطط التنمية التي تتبنّاها الدولة رسمياً في ما بعد، منذ دخول البلاد مرحلة الإصلاح والانفتاح عام 1978، وهو النظام الذي رسّخه الزعيم الراحل دينغ شياو بنغ منذ ترك السلطة عام 1992.
وكما كان متوقعاً، لم تقدّم خطة الحزب التنموية مضامين ثورية أو مختلفة عما جرت عليه الأمور في العقود الثلاثة الأخيرة، بل أكّد بيان اللجنة المركزية على الثوابت التنموية، إن صح القول، والتي تمضي عليها الصين في ما تسميها "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" التي ربما تبدو للمتفحص نظاماً رأسمالياً تديره الدولة، أكثر مما هو "اشتراكية" بالمعنى التقليدي للكلمة.
جاء في قرار اجتماعات اللجنة المركزية التي ترأسها الرئيس الصيني، شي جين بينغ (الأمين العام للحزب الحاكم)، أن الصين ستدعم في خطتها الجديدة وتحسّن نظاماً اقتصادياً اشتراكياً أساسياً، من خلال: العمل بشكل ثابت على تعزيز القطاع العام وتطويره، وتشجيع تنمية القطاع غير العام ودعمها وتوجيهها، نظام توزيع للفوائد التنموية على أساس مقدار العمل، تسريع الجهود لتحسين اقتصاد السوق الاشتراكي، تحسين الأنظمة والآليات من أجل الابتكار في العلوم والتكنولوجيا، تأسيس مؤسّسات جديدة لاقتصاد منفتح بمعايير أعلى. كذلك قال البيان إن الصين ستعمل على ضمان رفاه مواطني المناطق الحضرية والريفية، من خلال: توظيف طاقات العمل بجودةٍ عالية، وضع نظام تعليم يوفر التعلم مدى الحياة للجميع، تحسين نظام التأمين الاجتماعي الذي يشمل كل أفراد الشعب، توفير ضماناتٍ مؤسسيةٍ لتحسين الصحة العامة.

"الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" ربما تبدو للمتفحص نظاماً رأسمالياً تديره الدولة، أكثر مما هو "اشتراكية" بالمعنى التقليدي للكلمة

وجاء في البيان أن الصين ستعمل على تعزيز الثقافة الاشتراكية المتقدّمة، من خلال: الاستمرار باتخاذ الماركسية أيديولوجية مرشدة، الالتزام بنظام التقدّم الثقافي بما يشمله من قيم اشتراكية جوهرية، تحسين المؤسسات التي تتولى حماية الحقوق والمصالح الثقافية للشعب، وضع أنظمة وآليات للإبداع والإنتاج الثقافي الذي يجعل المنافع الاجتماعية في المقام الأول، ويضمن العائدات الاقتصادية والمنافع الاجتماعية معاً. كما ركز البيان على الجانب البيئي في التنمية، حيث جاء فيه أن الصين ستعمل على تحسين نظام تطوير الحضارة الإيكولوجية، ودعم التعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة، من خلال: تطبيق أنظمة صارمة للحماية الإيكولوجية والبيئية، الاستخدام عالي الكفاءة للموارد، تحسين المؤسسات المتعلقة بإصلاح النظم البيئية والحفاظ عليها، تعزيز نظام المساءلة الخاص بالحماية الإيكولوجية والبيئية. كذلك تعرّض البيان، في جزئية خاصة، لتطوير مؤسسات الحزب الحاكم وتعزيز الثقافة الحزبية التي تؤطر أعضاءه.

سيكمن التحدّي في مدى قدرة الخطة الخمسية على تحقيق نجاحات خارجية على صعيد حضورها الدولي، بخاصة بعد أزمة فيروس كورونا التي يعيشها العالم

من الواضح أن الخطة الصينية المستقبلية للتنمية لا تختلف عن مثيلاتها التي ظل الحزب يطلقها كل خمس سنين على مدار العقود الثلاثة الأخيرة، ومفادها مواصلة سياسة الإصلاح الاقتصادي المسمّاة "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، مع الانفتاح على الاقتصاد العالمي الرأسمالي. يتوازى ذلك مع السعي الحثيث، كما يتضح في مضامين البيان، إلى معالجة الآثار السلبية التي تنتج عن ذلك على صعيد المجتمع على شكل طبقيةٍ لا تتناسب والاقتصاد الاشتراكي، مع الاهتمام بالدور المركزي للدولة في مكافحة الفساد في مؤسسات الدولة. واتخذت هذه الخطط الصينية المتلاحقة تسميات عديدة، مثل "التمثيلات الثلاثة" في عهد الرئيس الأسبق جيانغ زيمين (1992 - 2002)، "المجتمع الاشتراكي المتناغم" في عهد الرئيس السابق هو جينتاو (2002 - 2012)، وصولاً إلى عهد الرئيس الحالي الذي يتبنّى خطة الطريق والحزام ذات الأبعاد الدولية. وما يمكن قوله إن مضامين هذه الخطط تبدو متطابقة، وتنبني إحداها على التي سبقتها، لذا يبدو نجاح الصين في تنفيذ خططها السابقة، وصولاً إلى تحقيقها النهضة التنموية الكبيرة التي تعيشها اليوم، بمثابة مؤشّر على أنها ستواصل نجاحاتها التنموية الداخلية عبر السنوات التي تستهدفها الخطط الجديدة، بينما سيكمن التحدّي في مدى قدرتها على تحقيق نجاحات خارجية على صعيد حضورها الدولي، بخاصة بعد أزمة فيروس كورونا التي يعيشها العالم.

الصين تؤكد، في كل مرة، أن النموذج الناجح في التنمية أن تجري عملية التنمية من دون نموذج!

وقد جرت العادة في الأدبيات الصينية المتعلقة بالتنمية أن تكون مبهمة، وأن تقوم على خطوط عريضة أساسية، مثل الحفاظ على مبدأ الملكية العامة، وتدخّل الدولة لتقليص الفجوات بين الأقاليم، وتحكّمها بالعلاقات الخارجية، ولعبها دوراً في إعادة توزيع المكتسبات في المجتمع للحيلولة دون اتساع الفجوات الطبقية. وربما يكون ذلك مقصوداً، بغرض إيجاد مجال واسع للمناورة يسمح بإدخال تعديلات مستمرة على آليات الإصلاح، بما يخدم مقتضيات كل مرحلة ويحل مشكلاتها. وقد ساعد هذا الإبهام (والعمومية) في توصيف الخطط في كل مرحلة من مراحل التنمية على إبعاد الصين عن النمطية الاشتراكية، وإعادة تقييم مسار التنمية، حين بدا مثلاً أن البلاد تمضي إلى النمط الليبرالي في بداية القرن الجديد، مع تضاؤل دور الدولة وقتها وتحرّر الاقتصاد من القيود والأنظمة، وذلك بغرض الحفاظ على المسار الوسطي الذي يُضمّن الاشتراكية مبادئ اقتصاد السوق، من دون "أدلجة". بفضله أيضاً لم تجد الصين حرجاً في تجاهل النقد الأيديولوجي لعملية الإصلاح الصينية، سواء من دعاة التشدّد العقائدي اليساري بادئ الأمر، أو من دعاة الأصولية الليبرالية على مدار العقود اللاحقة، في وقت تؤكد نتائج التنمية على أرض الواقع صحّة هذا النهج، بحسب مختلف المؤشّرات والأرقام، وفي مقدمتها نسب النمو، التي ما تزال، هي الأخرى، خاضعة لإدارة الدولة، من خلال تحكمها بعملية إنتاج السلع صعوداً وهبوطاً.
كأن الصين تؤكد، في كل مرة، أن النموذج الناجح في التنمية أن تجري عملية التنمية من دون نموذج!