التلصّص مرضاً وأحمد عزّ ضحيّةً

06 نوفمبر 2025

رجل الأعمال المصري أحمد عز وزوجته في حفل افتتاح المتحف المصري (مواقع التواصل)

+ الخط -

يكون بطل رواية "التلصّص" (2007) للروائي الراحل صنع الله إبراهيم طفلاً، يراقب أباه والتغيّرات من حوله، بدقّة تنعكس على السرد نفسه الذي ينشغل بالوصف أكثر ممّا يجب. ربّما لأن التلصّص نفسه يوفّر الحماية للطفل، ويبني شبكةً غامضةً من المعلومات والتفاصيل التي تعوّض الشعور بالوحدة وغياب الأمان.
وكعادته، يبدو صنع الله صانعاً حاذقاً، إذ يصبح معادل التلصّص (الفعل) إفراطاً في الوصف، وكلاهما يوفّران الحماية للطفل والتماسك للنصّ الروائي. على أن التلصّص في الحياة، خارج رواية صنع الله، لم يعد مجرّد فضول في أحد معانيه، أو "بصبصة" في معانٍ أخرى، بل تحوّل مرضاً أو متلازمةً تستدعي علاجاً سريرياً جماعياً في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، التي وفّرت بيئة خصبة ليزدهر التلصّص ويغادر أسبابه ودوافعه الأولى.
ظهر أحمد عز، رجل الأعمال المصري المعروف في حقبة الرئيس الراحل حسني مبارك، وزوجته في افتتاح المتحف المصري الكبير. وبمجرّد ظهوره بدأت عمليات تلصّص واسعة شملت كل شيء، إذ تطوّر مفهوم التلصّص، من "البصبصة" التي تنتهك خصوصية أجساد الآخرين من دون علمهم، إلى انتهاك أسرارهم ("تلصّص") ونبشها على الملأ. ومن ذلك أننا عرفنا اسم عقيلته، ومتى ولدت، وقيمة ثروتها وألوانها المفضلة ودور الأزياء التي ترتادها. تستطيع بفضل المتلصّصين الجدد أن تعرف كثيراً عن أشياء أو أشخاص قد تبدو حياتهم بلا أيّ أهمية سوى للمقرّبين منهم، ومن ذلك أن مغنّيةَ الحفل تدعم المثليين، وأنها ولدت لأبوين من أصول مصرية وليست إيطالية... وأشياء أخرى قد لا يُعنى به معجبٌ قد يتقدّم لها، أو مدير أحد المسارح الكبرى في نيويورك لإشراكها في أحد أعماله. التلصّص يسرق ويختلس وينتهك خصوصيات أصبحت حمايتها متعذّرة، فأنت لا تستطيع معاقبة منتهكيها بالقوانين، حتى إن وجدت. ما يعني أننا أمام غزوٍ لا يُردّ، جائحة كبرى ومميتة، وليس في ذلك مبالغة.
على الفور، نعرف اسم زوجة رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى التي كانت تتأبّط ذراعه. ومن دون أن تبذل جهداً، يسرد متلصّصون تاريخ العائلة والرجل وعدد أولاده وأسماءهم هم ووزوجاتهم، وقصة مقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم في دبي. وثمّة "خيانة" في حبكة المتلصّصين، وهي عقابٌ إلهي للفاسد في ذروة "فجوره" في رواياتهم، لتذكيره بأنه واحدٌ من الناس، وبأن عليه أن يدفع ثمناً ولو بتدخّل إلهي. ثم انظر إلى ثنية قميصه ثوبها وذيله وقصّة شعر المدام، كلها علامات على أن المتلصّص يتابع كل شيء، فلا تفوتُه شاردة ولا واردة في المشهد الذي صعد فيه أبطال مسرحية الأمس ليؤدّوا أدواراً جديدة على الخشبة اليوم.
أين هو المرض إذن؟ إنه في الاستباحة الكاملة، في غياب التسامح أيضاً، في ترك المشهد منتهكاً لحرية التأويل التي لا تموضع الحدث في سياقه، بل تتركُه لأيّ سياق قد يُنشئه المتلصّص، وهو هنا أن ثمّة عقاباً إلهياً للفاجرين والقتلة، وأن الماضي حين يقفز إلى الحاضر يصبح مسخاً؛ هل رأيت ملامح وجهها؟ ألم تستوقفك صبغة شعره الفاقعة، وأصوله الريفية التي جَهد لإخفائها ببدلته الأنيقة التي لا تتسق مع حضوره الذكوري الفجّ، البدائي المُتصنّع؟
في فيلم بعنوان "لندن" (2005)، وتدور أحداثه في مانهاتن الثرية، ثمّة شابّة تتغوّط وهي تتحدّث مع شاب بالغ الثراء في الحمّام، بينما يضع هو لوحة لفان كوخ على المغسلة، ويرشّ قليلاً من الهيرويين عليها ليستنشقه. إنه مجرّد مشهد سينمائي، لكنّه يستبطن التلصّص مرضاً تزول بسببه الحواجز، وتنهار المعايير، ولا يعود الأمر متعلّقاً بالخصوصية، بل برغبة المتلصّص بإعادة تشكيل العالم كلّه وفقاً لرغباته، وهذه لم تعد جنسيةً شهوانية، بل سياسية واجتماعية، وأحياناً عبثية تستهدف إذلال الآخر بلا أيّ سبب أو معنى.
وأنت تتابع ذلك الكم المهول من التدوينات التي كُتبت عن افتتاح المتحف المصري، تتابع أخيلة منتجيها، ورغباتهم المكبوتة، وأساليبهم في إلحاق الأذى، وأغلبه بلا أي دافع يمكن تفهمه، ويصبح الأمر شبيهاً بإذلال الفنون الكبرى ومنتجيها في العصر الحديث، وضْع فان كوخ على مغسلة حمّام لاستنشاق الهيرويين، بينما تتغوّط شابة جميلة في الجوار.

زياد بركات
زياد بركات
قاص وروائي وصحفي فلسطيني/ أردني، عمل محررا وكاتبا في الصحافتين، الأردنية والقطرية، وصحفيا ومعدّا للبرامج في قناة الجزيرة.