التغيُّر المناخي وتراجُع التضامُن الضروري

02 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

على الرغم من تعهُّد الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، بانضمام بلاده، مجدّدًا، إلى اتفاق باريس للمناخ، بالإضافة إلى إقراره خطَّةً بقيمة 1700 مليار دولار، تهدف إلى بلوغ مرحلة الحياد الكربوني، في الولايات المتحدة، بحلول 2050، إلا أن التوقُّعات والمخاوف من استمرار ظاهرة الاحتباس الحراري لم تجد، بعد، ما يواجهها، جِدِّيًّا، بل تحققت الأخطار البيئية والصحية وتاليًا الاقتصادية المترتِّبة على الاحتباس الحراري، في وقت أقرب ممَّا توقَّعه المختصُّون.

ويعكس الفشل في مكافحة هذه الأزمة العالمية عجْزَ الأمم المتحدة عن درء خطرٍ يهدِّد أهمَّ مبادئها الأساسية، ومنها "السلام العالمي"، و"تطوير علاقات تعاون بين الدول تساعد على حلِّ المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية". ووفقًا لميثاق الأمم المتحدة، والذي يتضمَّن الحقَّ السيادي في استغلال الموارد الخاصة، تقع على الدولة المسؤولية الكاملة في ألا تقع ايُّ أنشطة داخل ولايتها، تسبِّب ضررًا للبيئة. وفي المقابل، يعكس تفاقم أزمة المناخ العالمي تضاؤل قدرة الدول على العمل المشترك، وفشلها في اجتراح سياساتٍ اقتصاديةٍ عالميةِ المردود، وبشكل عام، ضعف الدول عن تحقيق مفهوم الأمن الجماعي، ولو في حدِّه الأدنى، والماسّ، وبكلمة واحدة، ضعف الشعور بالمسؤولية الإنسانية، ليس تُجاه الخارج، وشعوب الدول الأخرى، ولكن تُجاه الداخل، أيضًا، وشعوب تلك الدول الفاعلة. 

التوقُّعات والمخاوف من استمرار ظاهرة الاحتباس الحراري لم تجد، بعد، ما يواجهها

إذ على الرغم من توقيع دولٍ كثيرة على اتفاق باريس للمناخ الذي عُدَّ حدثًا عالميًّا مهمًّا، إذ وقّع عليه 195 بلدًا في ديسمبر/ كانون الأول، 2015، بمشاركة كبار المتسبِّبين بالغازات الدفيئة، وهي الصين والولايات المتحدة والهند، إلا أن تساؤلاتٍ تبقى عن مدى التزام الدول الموقِّعة على اتفاق باريس (الملزم) بقواعده وآلياته، فبعد تلقِّي الاتفاق ضربةً قوية بقرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، انسحاب بلاده منه، وإصراره على الدفاع عن الصناعات المعتمِدة على مصادر الطاقة الأحفورية، والتشكيك في حقيقة التغيُّر المناخي، واصفًا نشطاء المناخ بـ"أنبياء الشؤم"، لاحَظ الخبراء الأوروبيون أن الصين، وبدلًا من خفض نسبة انبعاثاتها، بعد توقيع اتفاقية باريس للمناخ، شهدت زيادة بنسبة 5%، خلال عام 2018، أي بعد عامٍ من انسحاب ترامب من الاتفاق. كما يأخذ منتقدو اتفاق باريس على الدول الموقِّعة عدم إدراجها نِسَبًا واضحة ومحدَّدة، مسبقًا؛ لخفض الانبعاثات، ونصيب الفرد في ذلك.

تحاول الدول الحدَّ من الاحتباس الحراري؛ بتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، واللجوء إلى الطاقة البديلة النظيفة، أو بزرع مزيد من الأشجار

والاحتباس الحراري الذي سيطر على جدول أعمال البيئة، منذ منتصف الثمانينيات، ناتجٌ من انبعاثات "الغازات الدفيئة"، في الغلاف الخارجي المحيط بالأرض، واستمرار إضرارها وإنقاصها بطبقة الأوزون التي تمتص الأشعة فوق البنفسجية المتسبِّبة بارتفاع درجة حرارة الأرض، وذوبان الجليد في القطبين، الجنوبي والشمالي؛ ما يؤدي إلى ارتفاع منسوب سطح البحر؛ تلك الانبعاثات التي لا تظهر نتائجُها فور إنتاجها وبثِّها. ولذلك، ستظل الانبعاثات تتسبَّب في نقص الأوزون، في عقود آتية. والتحدِّي الأبرز الذي يواجه خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتاليًا، التسبُّب في التغيرات المناخية، وزيادة الاحترار، اقتصادي، إذ لا تقبل الدول الصناعية بسهولة التضحية بنموِّها الاقتصادي، حتى من أجل هذه الغاية.

تحاول الدول الحدَّ من الاحتباس الحراري؛ بتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، واللجوء إلى الطاقة البديلة النظيفة، أو بزرع مزيد من الأشجار، كما أعلن ترامب في منتدى دافوس، الذي انعقد في شهر يناير/ كانون الثاني 2020، وإعلانه أن الولايات المتحدة ستنضمُّ إلى مبادرة زرع تريليون شجرة، ولكن النجاح الواقعي، في هذه الانعطافة الحادّة، ليس سهلا، أو مضمونا. وهنا، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، خلال قمَّة في الذكرى السنوية الخامسة لإعلان اتفاقية باريس للمناخ (12/12/2020) زعماءَ العالم إلى إعلان حالة "الطوارئ المناخية"، في بلدانهم؛ لدفع الجهود؛ لتجُّنب ارتفاع كارثيٍّ في درجة حرارة الأرض. وقال إن "كوفيد - 19" لم يوقف أزمة المناخ.

هل الحكومات العربية التي لا تنقص شعوبها الأزمات المتفاقمة مؤهّلةٌ، بما يكفي، للحدِّ من الآثار الخطيرة للاختلالات البيئية التي تمسُّ مسًّا مباشرًا مفردات الحياة الحيوية؟

وعلى الصعيد الاقتصادي، خلص مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال التجارية، ومقرُّه بلندن، إلى أن القضايا البيئية ستبدأ في التأثير، بشكل خطير، على شكل الاقتصاد العالمي، على مدار الخمسة عشر عامًا المقبلة، بعد فترةٍ ظهرت فيها آثار الاحتباس الحراري، بسرعة أكبر مما كان يُخشى سابقًا. 

لا مبالغة في القول إن ما انتهى إليه العالم، اليوم، من الأضرار المباشرة للاحتباس الحراري، والتغيُّر المناخي هو حصيلة تحلُّل الدول، تحت ضغوط أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، من مقادير كبيرة من القيم الضرورية، لا الأخلاقية فقط، ولكن تلك التي تتأسَّس عليها الحياة العملية، وحتى الاقتصادية، وهذا يمثل شكلًا من أشكال الأنانية التي لا تراعي، إلا المصالح والمنافع السريعة. ولذلك كانت مرافعة الناشطة البيئية السويدية، غريتا تونبرغ، الأساسية، وحجَّتها المحرِجة في خطابها الذي وجَّهته لزعماء العالم الذين اجتمعوا في القمَّة الدولية للتغيُّر المناخي في سبتمبر/ أيلول من العام الفائت، في نيويورك، ضمن فعاليات الدورة الـ74 للجمعية العامة للأمم المتحدة، (أعلنت "تسريع الانتقال إلى مستقبل أنظف وأكثر اخضرارًا")، كاشفةً عن هذا الخلل الأخلاقي الفاضح، ومحذِّرةً من الاستمرار عليه، إذ جاء في خطاب تونبرغ: "لقد قضيتم على طفولتي، بأحاديثكم الفارغة. ومع ذلك ما زلت أنا المحظوظة. الناس يعانون .. الناس يموتون، نظامنا البيئي ينهار، ونواجه مخاطر الانقراض الجماعي، وأنتم تتحدّثون عن المال، وعن قصص الخيال بشأن النمو الاقتصادي الأبدي. ما هذه الجرأة؟".

تتحلُّل الدول، تحت ضغوط أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، من مقادير كبيرة من القيم الضرورية، لا الأخلاقية فقط

صحيحٌ أن الدول، وَفْق النظرة الواقعية، لا تحتكم إلى مرجعيةٍ عليا ملزمة، ولكنها حين تصل إلى هذا المستوى من المخاطر الكُليَّة، وتهديدات الأمن الجماعي، بمفهومه الذي يستوعب ما هو أوسع من التهديدات العسكرية، حينها، هي ملزمة بعبور خلافاتها، إلى أرضيّة مشتركة بالغة الحيوية. 

أما الدول العربية الأكثر هشاشة، وغير المصنّفة من الدول الصناعية، فإنَّ بلادها وشعوبها تجني الأضرار، ولم تستفد، إلا قليلًا من المكاسب؛ فهي أعْجَز من الدول المتقدِّمة عن إحداث تحوُّلات شاملةٍ وعميقةٍ ومستدامة، في بِناها التحتية، أو غيرها؛ (كما اللازم هنا نحو اعتماد الطاقة البديلة)؛ نظرًا إلى غياب الرؤى الحقيقية، والاستقرار (في حين الاستقرار مقتصرٌ على مجرّد الحفاظ على النُّظُم الحاكمة)، ولغياب الشفافية اللازمة للاستمرارية، في أيِّ حقلٍ من حقول الحياة.. فهل الحكومات العربية التي لا تنقص شعوبها الأزمات المتفاقمة مؤهّلةٌ، بما يكفي، للحدِّ من الآثار الخطيرة لتلك الاختلالات البيئية التي تمسُّ مسًّا مباشرًا مفردات الحياة الحيوية، وفي مقدِّمتها الغذاء، مع سائر الشروط الإنسانية للعيش؟ وخصوصًا مع توقُّعات بانخفاض أسعار النفط، مع وضع مزيد من الدول خططا للانتقال إلى اقتصاد خالٍ من الكربون، في العقود المقبلة، وفق مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال التجارية، الذي توقّع أن الطلب على الوقود الأحفوري سيكون أضعف، وأن تكلفة برميل الخام ستنخفض إلى أقل من 30 دولارًا، بحلول عام 2035.