التغيير في العالم العربي وطريق مسدود

التغيير في العالم العربي وطريق مسدود

25 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

بعدما جرّب المصلحون ودعاة التغيير والدعاة والنخب المتنورة والثائرة كلّ الأساليب المعروفة لإحداث التغيير المطلوب في الوطن العربي، يبدو أنّ مشروع التغيير برمته يمرّ الآن في أزمةٍ تهدد بموته، أو قل هو الآن في غرفة الإنعاش بين الحياة والموت.

بدايةً، لا بد أن نتفق أنّ الوطن العربي يمرّ اليوم بواحدةٍ من أكثر الأزمات قسوةً في حياة أهله، فهو في حالةٍ مزريةٍ على كلّ الأصعدة، وفي كلّ الحقول تقريباً، ودلالات هذا تراها في الأرقام التي تصف حالة التخلف والتراجع والبؤس التي يعيشها في جوانب الحياة كافة، اقتصادية كانت أو سياسية أو اجتماعية، وفي طبيعة أخباره المستدعية للكآبة والحزن التي تملأ منصّات الإعلام المرئي والمسموع والمقروء. وحدها منصّات الإعلام الرسمي هي ما يرسم صورة "إيجابية" مغايرة للواقع البائس، إذ تمتلئ بالأكاذيب والإنجازات والبطولات الوهمية، وهي تدور حول شخصية الزعيم وظلاله وأتباعه من نخبٍ مطبّلة مسخّرة لخدمته. أما الصورة الحقيقية فهي موجودة في الشارع الذي يعكس الصورة الحقيقية للواقع البائس.

تعيش البلاد العربية اليوم حالة استبدادٍ شامل، وتخلّف اقتصادي، وشبه انهيار في بعض الأصقاع، وجوع وشظف عيش، ومديونيةٍ هائلة، وبطالة متفشّية، وبؤس اجتماعي، وحتى في البلاد التي تتمتع ببعض الثروة، فإنّ خيراتها منهوبةٌ ومصروفةٌ على نزوات الحاكم ومغامراته، ومشروعاته المجنونة، فهو مسكونٌ بهاجس تحقيق إنجازاتٍ فرديةٍ ربما ليست لها علاقة بمعالجة مشكلات شعبه الحقيقية، والأدلة أمام كل ذي بصر وبصيرة.

جلس الدكتاتور الجديد على كرسي الدكتاتور القديم، و"هندس" علاقاته جيداً مع القوى الإقليمية والدولية المتحكّمة بمصائر الشعوب

منذ انهارت دولة الخلافة العثمانية قبل نحو مائة عام، وكان العالم العربي جزءاً منها، قطّعت اتفاقات سايكس وبيكو أوصاله، وحوّلت الضواحي والمشيخات والنواحي إلى دول لكل منها جيش وعلم ونشيد وطني، وعلى الفور نشأت إثر الهزيمة المنكرة للأمة حركات التغيير والتحرير التي قاومت المستعمر، ومن ورثه من وكلاء استمرّوا في حكم البلاد باسمه ومباركته، فخرجت البلاد من مرحلة الاستعمار الأجنبي إلى مرحلة "الاستعمار الوطني". وبسبب هذا الواقع البائس، تفجّرت في البلاد حركاتٌ وتحرّكاتٌ هدفها استعادة الأوطان المسلوبة ممن سرقها، وانتهجت، في سبيل تحقيق هدفها، عدة طرق، كلها لم تنجح، في النهاية، بغض النظر عن أسباب الفشل. وبعجالةٍ يمكن لنا أن نحصر الطرق التي سلكها المصلحون وطلاب الحرية (والمغامرون والثوار أيضاً) على النحو التالي:

أولاً: الانقلابات العسكرية، أو طريق القوة في التغيير، وقد بدا في مستهل هذا الطريق أنّ الشعب في طريقه إلى نيل حريته، إلّا أنّ ما حصل أنّ كلّ أو جلّ قيادات الانقلابات التي وقعت في بلاد العرب (بعضهم سمّاها ثورة!) تحولوا إلى أن يكونوا "جمل محل جمل برك" بالتعبير الدارج، فقد جلس الدكتاتور الجديد على كرسي الدكتاتور القديم، و"هندس" علاقاته جيداً مع القوى الإقليمية والدولية المتحكّمة بمصائر الشعوب، وضمن سكوتها أو "تطنيشها" عما يرتكبه بحق شعبه، مقابل الحفاظ على مصالحها في بلاده (يسمّونها الالتزام بالاتفاقات الدولية!). وفي المحصلة، لم تجرّ الانقلابات إلا الويلات على البلاد والعباد، فكانت لعنةً على كل مشاريع التغيير والإصلاح، مع بعض إنجازات هنا أو هناك مما لم تؤثر كثيراً على الواقع البائس.

ثانياً: انتهج بعضهم طريق الدعوة بالتي هي أحسن، والتحالف مع النظم القائمة، ومهادنتها، والتعاون معها، أملاً في تحقيق مصالح البلاد. وبدا أنّ هذا الطريق أكثر طولاً مما توقع، بل استعمل دعاة هذا الطريق كشاهد الزور، فقد استعان الحكّام بهم لإضفاء شرعيةٍ على حكمهم، حتى إذا استتبّ لهم الأمر مالوا عليهم فبطشوا بهم، ومن بقي منهم استقرّ في غيابات السجون.

تعيش البلاد العربية اليوم حالة استبدادٍ شامل، وتخلّف اقتصادي

ثالثاً: أما طلاب التغيير بالثورة والقوة، وحشد التأييد الشعبي، فنالهم هم أيضاً ما نال من انتهج طريق التغيير السلمي، فقد سُرقت الثورات، وشُيطنت، ودعمت الثورات المضادّة المتضرّرين داخلياً وخارجياً بتخريب منجز الثوار، كي يقولوا للجميع إنّ طريقكم لا يجلب غير المآسي والكوارث، فكان طريقاً عبثياً لم يفضٍ إلّا لمزيد من البؤس والخذلان والفشل.

رابعاً: أما دعاة التغيير السلس عبر دمقرطة البلاد، من بعض أهل العلمنة وزبائن منظمات المجتمع المدني الممولة بشكل شبه كامل من الخارج، ومعهم تيارات اليسار أو فلوله، فقد انخرطوا في مشروع الحاكم على نحوٍ أو آخر، وأصبحوا جزءاً من المشكلة، بدلاً من أن يكونوا هم الحل، فقد استمالهم الحكم، واشترى كثيرين منهم، أو زجّ من عصى في السجن، وكمّم أفواه الباقين، فكان خيارهم هو الآخر بلا فائدة.

وبالجملة، لا الثورة، ولا العمل السلمي، ولا التغيير بالقوة، ولا التغيير عبر النظام السياسي القائم، أدّى إلى النتيجة المرجوّة في بلاد العرب، فما هو الطريق الموصل إلى النجاة في ظل هذا الواقع؟ هذا سؤال مطروح على الجميع، وربما يكون الجواب في الجمع بين كلّ تلك الأساليب، وفق خلطة سحرية، وبمقادير غاية في الدقة، متى ما تم فكّ شيفرتها ربما وقع التغيير.