التعليم في مصر .. معاناة وحديث كل عام

التعليم في مصر .. معاناة وحديث كل عام

15 نوفمبر 2021
الصورة

(محمد عبلة)

+ الخط -

نجحتُ، أخيراً، في نقل أبنائي من مدارس خاصة ذات طابع استثماري، إلى مدارس أخرى حكومية، يفترض أنها متميزة، وتدرّس المواد باللغة الإنكليزية. والسبب الرئيسي للنقلة اقتصادي بحت، وهو توفير النفقات بالأساس بعد زيادة الأسعار المتسارعة في مصر، وَمِمَّا ترتب عنه من ارتفاع نفقات المعيشة وتكلفة التعليم. وفي الواقع، تعتبر محاولة نقل أطفالي إلى مدرسة حكومية رسمية بدلاً من الخاصة نتاج سلسلة طويلة من محاولات تتجدّد كل عام، فالنفقات تزداد بشكل متسارع، وأصبح التعليم الجيد عبئاً كبيراً.
وعلى الرغم من ذلك، لم يكن قرار الانتقال من التعليم الخاص إلى التعليم الحكومي هيناً، وكذلك لم تكن عملية النقل ذاتها سهلة إجرائياً، فهي قد تكون المحاولة الرابعة للسنة الرابعة على التوالي، ولكنها هذا العام استغرقت وقتاً ومجهوداً كبيرين في إجراءات حكومية معقدة ومهينة. عشرات الأيام في الوقوف في طوابير ودفع رسوم عجيبة تتجدّد مع كل خطوة، بالإضافة إلى طوابع الدمغة وضرائب ورسوم يجب دفعها في أماكن أخرى بعيدة، قبل العودة إلى طوابير أخرى، ثم دفع رسوم أخرى وهكذا. وفي نهاية المطاف تُدفَع تبرعات إجبارية، مثل الجباية، ليس لها أية صفة قانونية.
بخصوص المكان الجديد، هناك فرق كبير بالطبع بخصوص الشكل والإمكانات والمساحة، وحتى مستوى النظافة والملاعب بين المدرسة الخاصة والأخرى الحكومية، ولكن لا فارق كبيراً في جوهر العملية التعليمية. المناهج واحدة هنا وهناك، لا تزال تعتمد على الحفظ والتلقين. ففي التعليمين، الحكومي والخاص، يُهمَل الجانبان، التربوي والرياضي، وتُهمَل جزئية المواهب والإبداع، بالإضافة إلى أنه في العامين الماضيين لم يكن هناك دراسة بالمعنى الحقيقي في مصر، فالتعليم كان من المنزل أو "أونلاين" بسبب كورونا، والاختبارات في العام الماضي أُجريَت بشكل تجريبي، وشابها عوار كثير. ولذلك، الفرق الجوهري بين التعليمين، الحكومي والخاص، هو في المصروفات الهائلة التي يجب إنفاقها في التعليم الخاص، والتي تصل إلى عشرات آلاف الجنيهات لكل طالب، وقد تصل إلى أكثر من مائة ألف أو مائتين إذا كانت المدرسة "إنترناشيونال" أو تدرّس مناهج دولية بريطانية أو أميركية.

إن طُبِّق نظام تعليمي مبتكر مع تشجيع حرية الرأي والبحث، يمكننا صنع المعجزات

محزن أن يكون هناك أكثر من نظام تعليمي في بلد واحد، رسمي عربي ورسمي عربي متميز، ورسمي لغات وآخر تجريبي وثالث لغات تجريبي متميز، ومدارس خاصة تدرّس بالعربية ومدارس خاصة تدرس المواد بلغات أجنبية، وأخرى تدرس مناهج بريطانية وأخرى فرنسية وثالثة أميركية. لكن العامل المشترك بين كل تلك المدارس أنها في دولةٍ لا تضع التعليم في أولوياتها. فالتعليم مجرّد شهادة رسمية، ورقة للتفاخر، إجراءات روتينية لا بد من اجتيازها حتى يكون هناك لقب ما، وهو ما عبّر عنه عادل إمام، في مسرحية قديمة، بأنها "بلد شهادات بصحيح"، فالتعليم هو وسيلة للحصول على لقبٍ ما يتيح الوجاهة الاجتماعية، وهناك مئات آلاف يتخرجون من الجامعات كل عام ويعملون في مهن وحرف لا علاقة لهما بما درسوه.
بعد ثورة يناير، دعيت إلى الولايات المتحدة ودول أوروبية للحديث عن الثورة المصرية وتجربة الحركات الاجتماعية الشبابية في مصر ودورها في صناعة حراك 2011، وكانت مدارس عديدة صاحبة تلك الدعوات، حكومية أوروبية وأميركية مملوكة للدولة هناك، التعليم فيها مجاني، ويجري تمويلها من الضرائب في تلك الدول، ولكنها بالطبع أكثر رحابة وفخامة وجدّية ومنهجية من تلك الخاصة والإنترناشيونال، باهظة التكاليف في مصر، ما يعكس الأولويات عندنا وعندهم.
في تلك الزيارات والندوات في مدارس أوروبا والولايات المتحدة، وجدت الشباب الصغير، بين 12 و16 عاماً، يسألونني أسئلة في منتهى الجرأة والقوة، يصولون ويجولون ويطلقون أسئلة معقدة تعكس سعة الاطلاع والثقافة. وقتها، قلت في نفسي: يوماً ما سيكون لدينا أجيال شابة على هذا القدر من الثقافة والاطلاع، فشعوبنا ذكية نتيجة ما تواجهه من صعوبات يومية في الحياة، ولكن التعليم في بلادنا، مثل كل شيء، يعتمد على الأوامر والحفظ والتلقين. أما التعليم في الدول المتقدّمة فيعتمد على الأبحاث وعلى الابتكار والإبداع، ولكن إن طُبِّق نظام تعليمي مبتكر مع تشجيع حرية الرأي والبحث، يمكننا صنع المعجزات.

لم تزد نسبة ميزانية التعليم على 4٪‏ عام 2015، وتقلّ كل عام، حتى وصلت إلى أقل من 2,5٪‏ في موازنة 2021/ 2022

الأولويات في مصر واضحة، مليارات الجنيهات من أجل التأمين، ومليارات المليارات من أجل إنشاء مشروعات سياحية وخدمية عملاقة، ومليارات أخرى لإنشاء طرق وجسور لخدمة تلك المشروعات السياحية العملاقة الجديدة. أما ميزانية التعليم، التي نص دستور 2014 على أن يكون الحد الأدنى للإنفاق نسبة 6٪‏ من الناتج المحلي، وهو ما يُخالَف منذ بدء العمل بالدستور، حيث لم تزد النسبة على 4٪‏ عام 2015، وتقلّ كل عام، حتى وصلت إلى أقل من 2,5٪‏ في موازنة 2021 /2022.
ليس من أمةٍ نهضت بشكل حقيقي من دون تعليم، فالتعليم هو الاستثمار الحقيقي والتنمية الحقيقية، وليس استيراد التكنولوجيا وإقامة مشاريع استثمارية سياحية، ولا يبدو أن لدى من بيدهم القرار في مصر اهتماماً حقيقياً بقضية التعليم، حتى على الرغم من وجود وزير للتعليم، يبدو للوهلة الأولى أن لديه فكراً جديداً ومبتكراً لم يكن لدى من سبقوه.
أحمل مشاعر عديدة متضاربة لوزير التعليم في مصر، طارق شوقي، ففي لقاءاته الإعلامية قد يبدو خطابه منطقياً بنسبة كبيرة، ويوحي حديثه بأن لديه رؤية ثاقبة أو خطة للتطوير، أو ربما كان يرغب فعلياً في الانتقال نحو المستقبل وتطوير التعليم المصري المترهل والمتكلس منذ سنوات. وقد تعرّض الرجل لانتقاد متخصصين كثيرين في التربية والتعليم، لكونه دكتوراً في هندسة الميكانيكا في الأساس، وليس خبيراً في التربية والتعليم، وشغل مناصب قبل ذلك، كذلك فإنه قادم من خارج منظومة الحكومة المصرية والدولاب الإداري للدولة، كل إنجازاته التي جعلته يقفز إلى هذا المنصب، إنشاؤه موقع بنك المعرفة المصري، بالإضافة إلى طرحه أفكاراً غير تقليدية للتعليم المصري.

كالعادة، قد لا تكون المشكلة في الأشخاص، بل المشكلة دائماً في السيستم (النظام)، السياسي منه والإداري بالتبعية

ليس من مشكلة في أن يكون وزير التربية والتعليم مهندساً في الميكانيكا أو خبيراً في التكنولوجيا، وأرى كذلك أن للوزير طارق شوقي باعاً وإسهامات كبيرة، وتقلد مناصب أكاديمية وعلمية متعدّدة في عدة جامعات في العالم، ويبدو أنّ لديه رؤية ما ورغبة في إصلاح التعليم في مصر. ولكن، كالعادة، قد لا تكون المشكلة في الأشخاص، بل المشكلة دائماً في السيستم (النظام)، السياسي منه والإداري بالتبعية. وأظن، وقد أكون مخطئاً، أن وزير التعليم الحالي في مصر يحاول تطبيق أفكار جديدة وجيدة في المنظومة التعليمية، فجعل المناهج الجديدة تعتمد على البحث أيضاً، لا التلقين، مشابهة قليلاً لمناهج المدارس "الإنترناشيونال" التي تتكلف مئات آلاف الجنيهات للطالب الواحد، ومناهج أيضاً يُطبَّق بعضها في الدول المتقدّمة، ولكن...
المشكلة دائماً في النظام الإداري والعقلية التي تدير، فكيف يمكن تشجيع حرية التفكير والإبداع إن كانت تعتبر من المحرّمات بشكل سلطوي، وكيف يمكن إقناع الموظفين الإداريين والمدرسين في وزارة التعليم بتطبيق تلك الأفكار التي تتعارض مع ما توارثوه من تقاليد وأساليب إدارية وتعليمية بالية، وكيف يمكن تطبيق تلك الأفكار والأساليب الجديدة مع تلك الميزانية المحدودة المخصصة للتعليم والمتناقصة كل عام؟ وكيف يمكن تطبيق مناهج تعليم الغرب وأساليبه إذا كانت الأرضية نفسها منغلقة، وإذا كانت البيئة تحكمها الأوامر الفوقية والسلطوية المطلقة في كل شيء؟ وماذا عن الشكل والتصميم القبيح لمعظم المدارس الحكومية، التي تعاني دوماً من نقص الإمكانات أو الميزانية المحدودة أو الفساد الإداري الذي يلتهم ما هو متاح، أو تكدّس المدارس بأعداد من الطلاب أكبر من القدر الذي يسمح بعملية تعليمية سليمة، وأصبح من المعتاد أن تجبر إدارات المدارس أولياء الأمور على التبرّع الإجباري لاستكمال إنشاءات المدرسة أو لتجهيز الأدوات التعليمية، وهو ما يسمح بكثير من التلاعب والفساد.
وإذا كانت أجور المعلمين متدنية، لا تكفيهم للعيش على حد الكفاف، ما يجعلهم يحاولون زيادة الدخل من طريق الدروس الخصوصية، التي أصبحت أساس العملية التعليمية في مصر، فكيف يمكن تطبيق الأساليب التعليمية المبتكرة، وإذا كان وزير التعليم نفسه لا يستطيع تعيين معلمين جدد في المدارس، ويطالبهم بالعمل من طريق التطوع مقابل قروش قليلة، لا تكفي تكلفة المواصلات من المنزل إلى المدرسة؟ وكيف يمكن تطبيق أساليب التعليم المبتكرة التي تشبه مناهج الغرب، إذا كانت المدارس ليس فيها إمكانات لتنمية المواهب، حيث لا ملاعب رياضية ولا مسرح ولا إمكانات حقيقية، ولا اهتمام بذلك، فحتى التي فيها إمكانات منذ زمن طويل يُعرقَل استخدامها من طريق اللوائح وتعقيداتها وعقليات موظفي الحكومة الذين يتجنبون التجربة ويتخوفون من تحمل المسؤولية.

التعليم هو البناء الحقيقي للدولة، وليس المشروعات السياحية الفخمة والخدمات المرتبطة بها، وهذا هو الفرق بين النمو والتنمية

أما عن الفساد، فحدّث ولا حرج. فبالتأكيد لا تخلو هياكل ومؤسسات وزارة التربية والتعليم في مصر من هذه الآفة التي تستوطن باقي الأجهزة الحكومية والوزارات، تراكمات الفساد والمحسوبية التي تعرقل جهود من لديه نيات حقيقية للإصلاح، إن كانت موجودة، فإجراءات إدارية على الطلاب أو أولياء الأمور إنجازها تحتاج أيضاً لإكراميات وتبرّعات إجبارية عديدة، تعتبر بمثابة رشوة مبطنة، أو في أحسن الأحوال تحتاج اتصالات وعلاقات بأحد الإداريين أو بعض كبار الموظفين في الدولة، من أجل تذليل العقبات وتقليل الخطوات والعراقيل الإدارية.
على الرغم من كل ما يعلنه الوزير المصري كل فترة من تعديلات، إلا أن جوهر أسلوب الإدارة العقيم لا يزال سارياً، ولا تزال تلك المحاولات مجرّد مسكنات أو ترقيع، لأنه لا توجد إرادة سياسية حقيقية بجعل قضية التعليم الأولوية، فليس ثمّة أمة نهضت من دون الاهتمام بالتعليم، فالتعليم هو البناء الحقيقي للدولة، وليس المشروعات السياحية الفخمة والخدمات المرتبطة بها، وهذا هو الفرق بين النمو والتنمية، فقد تُحقَّق بعض الطفرة وبعض النمو الاقتصادي من طريق القروض والاستثمارات الأجنبية والمشروعات السياحية والخدمية، أما التنمية المستدامة فتعتمد في الأساس على الإنسان.