التظاهرات العراقية والمسار الصعب

24 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تحلّ في الأول من الشهر المقبل (أكتوبر/ تشرين الأول) الذكرى السنوية الأولى لانطلاق أكبر (وأخطر) التظاهرات العراقية، المطالبة بإنهاء نظام المحاصصة الطائفية، واقتلاع الفساد، وتحسين الخدمات، وإعادة مفهوم السيادة لواقع حال العراق السياسي والأمني والاقتصادي والعسكري.

عام مضى وكأنه مجموعة مشاهد من أفلام هوليوود التي تصوّر مافيات الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة في أربعينيات القرن الماضي؛ قتل واقتتال، خطف وتغييب، ولاءات حكومية لصالح زعامات إجرامية، فساد مستشر من رأس القرار حتى قاع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والإنساني.

نعم، عام مضى كان بحق يمثّل المواجهة الأعنف والأصدق بين المنتفضين المرابطين في الساحات والشوارع المحيطة بالمنطقة الخضراء في بغداد، وكذلك، في ساحات محافظات الوسط والجنوب؛ ديالى، الكوت، الحلة، النجف، كربلاء، الديوانية، الناصرية، العمارة، والبصرة، وبين كل من انضوى تحت راية المحاصصة الطائفية والاستهانة بالإرادة الشعبية من خلال منظومة فسادٍ طاولت كل الأجهزة الأمنية تقريباً، وتحشيد طائفي مليشياوي مسلح تمت أدلجة أعضائه، على أن أية انتفاضة في العراق ستعني إعادة "البعث" العراقي للسلطة وأتباع الرئيس الراحل صدّام حسين.

كان عاماً شديد الوطأة على أركان نظام المحاصصة الطائفية في العراق، حتى أن رئيس الوزراء السابق، عادل عبد المهدي، والذي يُعد المسؤول الأول عن مقتل أكثر من 700 متظاهر، كلهم من الشباب من كِلا الجنسين، اضطر إلى الاستقالة، وأن مكاتب المليشيات المتنفذة دُمرت أو أحرقت، خصوصا في النجف وكربلاء والناصرية والبصرة، كما حاول بعض السياسيين من النواب، أو قادة الكتل، ركوب موجة التظاهرات والتظاهر بتبنّيها، لكن تنسيقيات التظاهرات رفضتهم، حتى بدا المشهد العام في العراق نهاية عام 2019، والأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، ينذر إما بحرب شعبية بين المتظاهرين، ومن ورائهم كل المسحوقين والمظلومين من أبناء الشعب العراقي، وبين المليشيات المسلحة وأجهزة السلطة الأمنية.

كل الذين تم اغتيالهم مواطنون ناشطون أرادوا أن يعيدوا الاعتبار لهويتهم العراقية الوطنية، وأن يجبروا السياسيين على تغيير الواقع الفاسد

وبسبب خطورة الموقف العام، وخروجه، في بعض المناطق، عن السيطرة الحكومية، مع بداية تحرّك أممي ودولي ينصح الحكومة العراقية باتخاذ إجراءاتٍ جدّية لوقف عمليات مواجهة التظاهرات السلمية في العراق بالعنف المفرط واستخدام العتاد الحي وقنابل الدخان لغرض القتل وليس الردع، فقد تم اختيار "اغتيالات" ناشطين وإعلاميين ومُقدّمي خدمات طبية وإنسانية للمتظاهرين، تم تأشيرها من مندسّين من أجهزة أمنية عراقية، وأخرى حزبية مليشياوية، فتم اغتيال رسام الكاريكاتير حسين عادل وزوجته سارة طالب، في البصرة في أكتوبر/تشرين الأول 2019، ثم الناشط أمجد الدهامات قرب منزله في ميسان في نوفمبر/تشرين الثاني، والناشط المدني فاهم الطائي في كربلاء في ديسمبر/كانون الأول. وفي بغداد، تم اغتيال الناشط الأديب علي اللامي في الشهر نفسه. وهكذا، حتى أحدث عمليات الاغتيال التي طاولت الناشط تحسين أسامة الخفاجي، ثم الطبيبة ريهام يعقوب، الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، والصيدلانية الناشطة شيلان دارا وعائلتها في منتصف سبتمبر/ أيلول الحالي.

لم تكن الاغتيالات الوسيلة الأنجع للقضاء على التظاهرات، بسبب أن هذه التظاهرات لا ترتبط بشخوص أو قيادات بعينها، وأن كل الذين تم اغتيالهم مواطنون ناشطون أرادوا أن يعيدوا الاعتبار لهويتهم العراقية الوطنية، وأن يجبروا السياسيين على تغيير الواقع الفاسد، ومعالجة الخلل المستشري والمتصاعد في هذا البلد. لكن ما أوقف التظاهرات طوعاً أو خفّف زخمها بدرجة واضحة هو تفشّي جائحة كورونا في العراق، وأن تجمعات المتظاهرين قد تفضي إلى مزيدٍ من انتشار هذا الوباء القاتل، في ظل تراجع الخدمات الصحية وزيادة عدد الوفيات، جرّاء هذا المرض يوميا.

حملات التغييب القسري والتعذيب وتكريس الطائفية البغيضة، كلها ستدفع إلى تظاهرات سلمية، ربما تكون أعنف وأدمى، لكنها ستكون حاسمة.

هل انتهت التظاهرات العراقية عند هذا الحد؟ وهل ستذهب دماء الشباب المغدورين سدى؟ تقول معلومات تأتي من بغداد والمحافظات إن جذوة التظاهر السلمي في تصاعد، وإن العراقيين غاضبون جداً من ضعف الأداء الحكومي تجاه جائحة كورونا، واغتيالات أبنائهم، وتراجع مستوى الخدمات، وتزايد نفوذ المليشيات، بالإضافة إلى كثرة ما سمعوه من وعود، رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، من دون أن يكون لها تطبيق على أرض الواقع.

يعتقد مراقبون كثيرون أن الخطوة التي تبدأ لقطع الألف ميل خطاها العراقيون، وأن حاجز الخوف قد تم تجاوزه، كما أن جرائم تمسّ الذات والعائلة العراقية، كاغتيالات أبنائهم من غير ذنب، وكذلك حملات التغييب القسري والتعذيب وتكريس الطائفية البغيضة، كلها ستدفع إلى تظاهرات سلمية، ربما تكون أعنف وأدمى، لكنها ستكون حاسمة.