الترشيح .. أسوأ مهماتي

الترشيح .. أسوأ مهماتي

23 سبتمبر 2021
الصورة

(علي الزنايدي)

+ الخط -

إحدى أكثر المهمّات التي يمكن أن يكلفني بها أحدهم، فأتوجس من الفشل في أدائها فوراً، هي مهمة الترشيح والتوصية. لذلك أتردّد كثيراً في قبول هذه المهمة، إن لم أستطع، لأسباب معينة، رفضها فوراً. ينطبق هذا على الكتب والأفلام والبشر أيضاً. وإذا كنتُ قد تغلّبت على ما يتعلق بالكتب والأفلام وغيرها من الأشياء المادية إلى حد كبير في السنوات الأخيرة، فإن مهمّة ترشيح الآخرين للآخرين ظلت معضلتي التي تصيب من حولي بالحيرة، وربما تشجّع من لا يعرفني فوراً على اتهامي بصفاتٍ لا أظن أنني أتّصف بها... لا أدري إن كنت قد نجحت في المرّات القليلة جداً التي وافقت فيها على أداء مثل هذه المهمة لصالح شخص أو جهة ما، فأنا غالباً ما أتجاهل الأمر كله لاحقاً.

قبل أيام، طلب مني شخصٌ أعرفه أن أرشّح له كتّاباً وصحافيين، ليبدأ معهم مشروعه الإعلامي الجديد. كان يعرف أنني أعمل في هذا الحقل منذ عقود، وبالتالي أعرف كثيرين ممن يبحثون عن عمل فيه في ظل جائحة كورونا التي تخلّت فيها بعض المؤسسات الصحافية والإعلامية عن نخبة من العاملين فيها، تقليلاً للنفقات، ومواجهة للظروف الصعبة التي مرّت بها تلك المؤسسات. حسناً، أعرف كله هذا، وأعرف كثيرين فعلاً ممن يبحثون عن عملٍ مناسبٍ لهم، وأعرف بضعة منهم يستحقون التوصية بهم والشهادة لهم في مجال العمل.. ولكن لا أدري لماذا أتردّد كثيراً قبل الترشيح الفعلي وذكر الأسماء. لا أظن أنني أنانية، أو أنني لا أحبّ الخير لمن حولي، ثم إن أداء مهمة كهذه سيفيد الطرفين، ولا بد أنهما سيشعران بالامتنان لي، إن نجحت في أداء المهمة بصنع جسر من المعرفة موثوقة بينهما على سبيل العمل. ومع هذا، غالبا ما يبدأ الأمر معي بطلب مهلة للتفكير، وحصر الأسماء المناسبة قبل فرزها، وهو يحدُث فعلاً، لكن ما إن أبدأ بمهمة الفرز والاختيار النهائي، حتى أصاب بما يشبه الدوار وتأنيب الضمير المحتمل والمزدوج تجاه الطرفين المعنيين.

هل المهمة صعبة الى هذا الحد؟ لا يبدو، ولكنها بالنسبة لي دقيقة جداً، فأنا أشعر في كل مرّة أرشّح فيها شخصاً أعرف لشخص آخر وكأنني قاضٍ في محكمة، وعليه أن يحكم بالحق، لا وفقاً للأوراق والأدلة والأقوال المتاحة له، بل بما يمكن أن يتجاوز ذلك كله إلى الحدس في المعرفة اللانهائية بالناس. وأنا أعرف الناس حولي بطريقةٍ مزعجةٍ جداً، فما إن يحضر اسم أحدهم في ذهني، حتى تحضر معه كل الصفات الحسنة والسيئة بعضها مع بعض، ولا أكاد أستطيع الفصل بينهما للمفاضلة النهائية. ولذلك، وعلى سبيل الممازحة أقول لمن يطلب مني ترشيح شخصٍ ما لعمل أو مهمة دائمة أو مؤقتة، إنني إن فعلت لن يكون عليه بعدها مراجعة الأمر، لدقّة أحكامي بشأن ما أختار.

المعاناة ذاتها تجتاحني عندما أكون عضواً في أي لجنة للتحكيم، وقد زاولت هذا العمل كثيراً في كثير من المسابقات الشعرية والروائية والصحافية، وفي كل مرة تجتمع اللجنة أجدني أبسط أمام الأعضاء أدقّ التفاصيل التي تكاد تعطل عمل اللجنة (!).

أعرف أن كثيرين مثلي يتعاملون مع مسائل التحكيم والترشيح بهذه الحساسية المفرطة، والتي لها من المساوئ ما يمكن أن يطغى على محاسنها المتعلقة بضرورة العدالة. وأعرف أن هذا غالباً ما يكون لصالح المسابقة ونتائجها في النهاية، لكن عندما يتجاوز الأمر حدوده المعقولة يصبح مرضاً ينبغي علاجه، وهذا ما أحاوله هذه الأيام، فالحياة أقصر من أن تضيع في التدقيق المبالغ فيه، وفيها من المساحات ما يكفي للتسامح مع تلك الزلات الصغيرة والهفوات العابرة والأخطاء غير المقصودة.. سنبقى في إطار المحاولة على سبيل التجريب إذن.