التدمير المنظَّم لإخوان مصر

التدمير المنظَّم لإخوان مصر

03 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

لا تتوقف حملة القوى الحاكمة في مصر منذ انقلاب يوليو/ تموز 2013 عن تدمير مختلف قوى المعارضة السياسية، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون، كونهم الأكثر تنظيماً. وهي الحملة التي اتخذت منحىً شديد العنف منذ انقلاب تلك القوى على تجربة التحوّل الديمقراطي القصيرة، والتي عاشتها مصر بعد ثورة يناير/ كانون الثاني 2011، ولا تتوقف عن تشويه خصومها ووصمهم بالإرهاب، فمنذ الانقلاب قتل المئات، وسجن عشرات الآلاف، وطورد مئات وربما آلاف المثقفين والنشطاء والصحافيين، في واحدة من أشد الحملات ضراوة ضد نخب مصر السياسية والثقافية المعارضة والمستقلة.

وتفيد اعترافات مسؤولي النظام نفسه بحالة التردّي السياسي والثقافي والاقتصادي التي عاشتها مصر في السنوات الأخيرة لحكم حسني مبارك، على الرغم مما شهدته من مظاهر الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي، فعلى سبيل المثال، ترد إشارة في كتاب مذكرات وزير الخارجية المصري السابق، أحمد أبو الغيط، المنشورة في 2013، بعنوان "شهادتي" إلى حالة عدم الرضا المنتشرة في أوساط القيادات العسكرية والسياسية الكبرى، مثل وزير الدفاع السابق، محمد حسين طنطاوي، ورئيس الاستخبارات العامة السابق، عمر سليمان، عن سيناريو التوريث ونفوذ جمال مبارك المتصاعد، وسيطرة رجاله على الحكومة المصرية والحزب الوطني الديمقراطي (الحاكم)، وحالة الصراع والانقسام التي عاشتها مؤسسات الدولة المصرية بهذا الخصوص. إذ يؤكد أبو الغيط أنّ مصر كانت في انتظار المجهول لو توفي مبارك فجأة، ولم يتم توريث جمال "لأنّ القوات المسلحة وغالبية أجهزة الأمن القومي لن توافق على ذلك".

وتأتي مذكرات رئيس الأركان السابق، سامي عنان، على ذكر ارتياحه لثورة يناير وتفكيره في تنظيم "انقلاب ناعم" ضد حكم مبارك في الأيام الأولى لثورة يناير. وتؤكد الرسائل المفرج عنها من بريد وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، أنّ قادة الجيش المصري كانوا يدركون أنّهم أمام انتفاضة جماهيرية حقيقية ضد حكم مبارك، مدفوعة بأسباب اقتصادية في الأساس، وأنّ القوى السياسية التقليدية، كالإخوان المسلمين والأحزاب والشباب، لا تحرك الجماهير الغفيرة التي نزلت للتظاهر، وإن حاولت تحفيزها وتنظيمها، كما تشير أيضاً إلى شعور قادة الجيش والقوى الأمنية بسهولة الحوار مع القوى التقليدية، كالإخوان والأحزاب التقليدية.

قادة الجيش المصري كانوا يدركون أنّهم أمام انتفاضة جماهيرية حقيقية ضد حكم مبارك، مدفوعة بأسباب اقتصادية في الأساس

وتشير رسائل الخارجية الأميركية نفسها إلى أنّ الحوار لم ينقطع بين "الإخوان" وقادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأنّ ذلك الحوار ربما مثّل الأداة الرئيسية لإدارة شؤون مصر منذ إطاحة مبارك في 11 فبراير/ شباط 2011، حتى بدأ وزير الدفاع المصري السابق ورئيس مصر الحالي، عبد الفتاح السيسي، في الإعداد للانقلاب على الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، بدعم من دول الثورة المضادة الرئيسية في الإقليم، وهي إسرائيل والسعودية والإمارات، ومن غالبية قادة القوى اليسارية والليبرالية التقليدية في مصر، والتي وفّرت غطاء سياسياً للانقلاب العسكري، طمعاً في الوصول إلى السلطة بالتحالف مع العسكر بعد إطاحة "الإخوان" خوفاً من سيطرة هؤلاء على مقاليد الحكم في مصر فترة طويلة، بسبب تنظيمهم وفوزهم في مختلف الانتخابات الحرّة التي عقدت في مصر بعد الثورة.

تشير رسائل الخارجية الأميركية أيضاً إلى أنّ "الإخوان" كانوا أحرص القوى السياسية على الاستقرار السياسي وعقد الانتخابات الحرّة في مواقيتها، بحكم أنّهم كانوا الفائز الأكبر فيها، وهو ما يفسّر تردّدهم المتكرر في دعم ثورة القوى الشبابية ضد حكم المجلس العسكري، فقد اقتنعوا، من خلال حوارهم المستمر والسري مع المجلس العسكري، بأنّ الإسراع في عقد الانتخابات هو الطريق الأفضل لتسليم السلطة للمدنيين، وقد يكونون أخطأوا في ضعف تواصلهم مع القوى السياسية، أو في المبالغة في الثقة بنيات المجلس العسكري، أو ببعض التقديرات السياسية، وهي الأخطاء نفسها التي وقعت فيها القوى السياسية الأخرى على فترات مختلفة، لكنّ "الإخوان" لم يسعوا إلى انقلاب عسكري يطيح التحول الديمقراطي أو القوى السياسية الأخرى وفرصها في الوصول إلى الحكم عبر الانتخابات الحرّة.

تشير رسائل الخارجية الأميركية أيضاً إلى أنّ "الإخوان" كانوا أحرص القوى السياسية على الاستقرار السياسي وعقد الانتخابات الحرّة في مواقيتها

في المقابل، استمر العسكر في تخبطهم وتردّدهم في إدارة عملية الانتقال السياسي، وتعطيلهم التحول الديمقراطي، سواء من خلال محاولة تأخير عقد الانتخابات، أو فرض مبادئ فوق دستورية، أو إطاحة البرلمان المنتخب. كما تذكر رسائل الخارجية الأميركية أنّ المجلس العسكري أخلّ باتفاقه مع "الإخوان" قبيل الانتخابات السياسية، والذي كان يقضي بالاتفاق على مرشح توافقي (عمرو موسى)، وهو ما دفع "الإخوان" إلى الدخول لسباق الرئاسة المصرية بمرشّحين، وهما خيرت الشاطر، الذي أطاحه المجلس العسكري، ومحمد مرسي الذي وجد نفسه مضطراً لخوض الانتخابات مرشّحاً للإخوان وللثورة نفسها في مواجهة مرشح الجيش الذي ظلّ غامضاً، حتى ظهر التفاف قادة الجيش خلف رئيس الوزراء السابق، أحمد شفيق. وتوضح الرسائل نفسها سعي مرسي إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع المجلس العسكري بعيداً عن "الإخوان" رغبة منه في تحقيق بعض الاستقلالية عنهم، وأن يكون رئيساً لكلّ المصريين، وإلى قربه الشديد من وزير دفاعه، عبد الفتاح السيسي، خلال العام الذي قضاه في الحكم، وتنسيقه المستمر معه، وإلى سعيه إلى إرضاء الجيش، كما ظهر في الصلاحيات الإضافية التي منحت لهم في الدستور الجديد، وفي دفاع "الإخوان" وإعلامهم المستمر عن الجيش. لكن، يبدو أنّ مساعي مرسي و"الإخوان" المستمرة لإرضاء قادة الجيش ضمن النظام الديمقراطي لم تكن كافية لبعض قادته، ولكثيرين من قادة مؤسسات الدولة التي دعمت الانقلاب العسكري، ولم تكن مرضيةً أبداً لقوى الثورة المضادة في الإقليم (حكومات إسرائيل، والسعودية، والإمارات)، والتي سعت، بكلّ طاقتها، إلى إطاحة تجربة التحوّل الديمقراطي نفسها، والقوى السياسية الرئيسة، وفي مقدمها الإخوان المسلمون، أصحاب الفكر العابر للحدود، من خلال تقديم الدعم الإعلامي والمالي، والدعم الدولي في واشنطن والعواصم الغربية، وربما الدعم التكتيكي والاستخباراتي.

وللأسف، لم ترضَ تلك الدول، ولا القوى التي سيطرت على الحكم بعد انقلاب 3 يوليو 2013، بأيّ حلّ سلمي أو مخرج سياسي للأزمة، فقد كانت حريصةً على القضاء على المسار السياسي نفسه، لأنّ من شأنه الحفاظ على فرص التحول الديمقراطي في مصر والعالم العربي. لذا يشير ديفيد كيركباتريك (David Kirkpatrick) مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في مصر خلال سنوات الثورة، في كتابه المهم المنشور في 2018 تحت عنوان "في أيدي الجنود (Into the Hands of the Soldiers)" إلى تشجيع وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، قادة الجيش المصري على "فعل ما يمكنهم القيام به لكسر الإسلاميين، وبكل القوة التي يحتاجونها لذلك، وأكد لهم أنه يغطي ظهورهم في واشنطن". ويذكر الكتاب نفسه، وكذلك تقارير وكالة "رويترز" والمؤسسات الحقوقية الكبرى، كالعفو الدولية و"هيومان رايتس واتش"، أنّ "الإخوان" كانوا قابلين بجهود الوساطة الدولية التي حاولت البحث عن مخرج سياسي للأزمة المصرية، وإلى أنّهم أبدوا استعدادهم، خلال تلك المفاوضات القصيرة، لتخلي الرئيس مرسي عن الحكم، والاحتكام مرة أخرى لصوت الجماهير ومنطق السياسة، وإلى أنّهم أبدوا مرونةً شاركهم فيها بعض الشخصيات المدنية الأخرى، مثل محمد البرادعي الذي تولى منصب نائب رئيس الجمهورية في الحكومة الانتقالية. وللأسف، لم يقبل الجيش، ولا داعموه الإقليميون، تلك الحلول السياسية، وخلال الأيام القليلة التالية للانقلاب، تم اعتقال مئات من قادة "الإخوان". وخلال الأسابيع التالية، تم قتل العشرات، وربما اعتقال آلاف آخرين، وفي 14 أغسطس/ آب 2013، تم قتل مئات من أنصار الإخوان المسلمين، تأكيداً على رفض قادة الانقلاب الحلّ السياسي.

ما فعله الانقلاب العسكري نوع من التدمير العنيف والمنظم لجماعة الإخوان، باعتقال آلاف من أهم قادتها، وقتل مئات من أنصارها

خلال تلك الفترة، تغيّرت جماعة الإخوان إلى الأبد، ولم تعد الجماعة التي كنا نعرفها وفازت في كلّ الانتخابات الحرّة في مصر بعد ثورة يناير، وهي لم تكن مثالية بأيّ حال، ولا بدّ أنّها ارتكبت أخطاء سياسية جسيمة، كبقية القوى السياسية. لكنّ ما فعله الانقلاب العسكري نوع من التدمير العنيف والمنظم لتلك الجماعة، باعتقال آلاف من أهم قادتها وإيداعهم السجون، وقتل مئات من أنصارها، والقبض على عشرات الآلاف من أعضائها ومناصريها، والقبض أيضاً على قادة القوى الشبابية التي حاولت رفع صوتها عالياً ضد هذا القمع أو المطالبة بالعودة إلى السياسة والديمقراطية والحلول السياسية.

كما شنت القوى الحاكمة وأنصارها في الإقليم حملةً لا ترحم ولا تلتزم بمعايير أخلاقية أو مهنية ضد الجماعة، تتهمها بأسوأ وأشد الاتهامات، وتسعى إلى تشويه صورتها ووصمها بالإرهاب والراديكالية والغباء السياسي، وهي حملة مستعرّة ما زالت مستمرة، وتشارك فيها للأسف شخصيات صحافية وسياسية كثيرة تدّعي الحياد والموضوعية، خوفاً من قمع تلك الأنظمة أو طمعاً في رضاها أو اتقاء لشرّها أو استسهالاً وتعالياً.

وللأسف، نجحت تلك الحملة في دفع الجماعة، أو من تبقى منها في مسار أكثر انقساماً وغضباً وتشرذماً، فالإخوان الذين أبدوا استعدادهم للتخلي عن إكمال محمد مرسي حكمه خلال الأسابيع التالية للانقلاب، تماشياً مع مقتضيات الواقع السياسي، أظهر من تبقى منهم مطارداً خارج السجون مواقف أكثر تشدّداً في التمسك بمرسي وشرعيته، وهي مواقف كان مصيرها الفشل لعدم واقعيتها، والإخوان الذين أكد مرشدهم أنّ السلمية أقوى من الرصاص انتشرت في أوساطهم أصوات متشدّدة تدعو أحياناً إلى العنف أو إلى الطائفية، بعد القمع الرهيب الذي تعرّضوا له، وهي أصواتٌ استخدمتها وسائل إعلام الثورة المضادّة المتحفزة، دليلاً على صحة ادعاءاتها الاستباقية ضد "الإخوان".

الظلم الذي تعرّض له "الإخوان" جزء أساسي من الظلم الذي تعرّضت له مختلف القوى السياسية، وإن بصور ودرجات مختلفة

ماذا لو لم يتبنَّ الانقلاب وداعموه هذه الحملة التدميرية العنيفة ضد الإخوان وأنصارهم، والتي دفعت بعضهم دفعاً نحو التشدّد؟ ماذا لو ترك الانقلابيون بعض قادة الإخوان المعتدلين والمؤثرين خارج السجون، وأجروا حواراً معهم؟ ماذا لو قبلوا بالوساطة الدولية، ولم يفضّوا الاعتصام في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقوة؟ ماذا لو لم يستمرّوا في حملتهم القمعية والعنيفة ضد الإعلام والنشطاء والشباب؟ ماذا لو وفروا بعض الظروف لاستمرار الأصوات المدنية الرافضة للعنف والإقصاء، مثل محمد البرادعي، في حكومة الانقلاب العسكري؟

كان من شأن إتاحة الفرصة للعمل السياسي تغيير مسار التاريخ والأزمة التي عاشتها مصر منذ ذلك الحين، ومصير مختلف قوى المعارضة. وللأسف لم تسلك القوى الحاكمة ذلك المسار، لشعورها بخطره على مصالحها في السلطة، ولرفضها الحلول السياسية والديمقراطية من أساسها.

وفي الخاتمة، يجب التذكير بأنّ هدف هذا المقال ليس الدفاع عن جماعة الإخوان المسلمين، أو تبرير أيّ خطأ سياسي وقعوا فيه، وإنّما التدقيق في ما جرى، بناء على خبرات العقد الماضي، وما توفر خلاله من وثائق ودراسات، وإلى إعادة تقييم ما حدث، ورفع الظلم عن مختلف قوى المعارضة المصرية، ووضع مواقفها في سياقها الصحيح. والتأكيد على أنّ الظلم الذي تعرّض له "الإخوان" جزء أساسي من الظلم الذي تعرّضت له مختلف القوى السياسية، وإن بصور ودرجات مختلفة.