التحقق من النُعرة القاتلة أو هجاء الإنسانية

التحقق من النُعرة القاتلة أو هجاء الإنسانية

10 يونيو 2021
الصورة

(سمعان خوام)

+ الخط -

يبدو استخدام مفردة "انتخابات" في سورية هذه الأيام نوعًا من هجاء الإنسانية الفاحش، وهجاء الديمقراطية الفاحش أيضًا؛ فلا يوجد هجومٌ على فكرة الديمقراطية أعنف من استخدام هذه المفردة في توصيف الحكاية التي تحدث. وبقدر ما يبدو هذا الاستخدام تافهًا ومثيرًا للضحك والسخرية في حكايات مؤسسات النظام وإعلامه، بقدر ما يبدو وكأنه مثيرٌ للشفقة عندما يستخدمه الموالي الجائع في وصف هذه الحكايات نفسها، في لغة الشارع، وفي مجال التفاهة السوري الذي أوجدته الطغمة.
يدفعنا انتشار هذه المفردة الواسع إلى اقتراح تسميةٍ تلائم ما يحدث، أو اقتراح صفةٍ تلائم ماهية الموصوف، وتعبر عنه بأمانة، بالإضافة إلى دافعٍ آخر لا يقل أهميةً عن ذلك، وهو محاولة إعادة الاعتبار إلى مفردة "انتخابات" بوصفها مفردةً تنتمي إلى الحقل الدلالي الديمقراطي؛ فأحد أكثر الأشياء تفاهةً أن تكون هذه المفردة أداةَ توصيفٍ في حقول الدلالة التي تحيل على الطغموية والعصبوية والإجرام؛ فكيف نسمّي هذه الحكاية التي تحصل في سورية هذه الأيام؟
لا يمكن اختزال هدف هذه الحكاية في أن النظام يريد أن يبدو دستوريًا أو قانونيًا فحسب، فهو لا يهتم لهذه المفهومات كلها، وكانت تكفيه فكرة الاستفتاء لتحقيق ذلك. وتدرك الطغمة، كما يدرك غيرها بديهيًا، أن هذه العملية لا تقدّم في مسألة الشرعية ولا تؤخّر؛ وليس الهدف الأساسي إضفاء شرعيةٍ لبقاء رأس النظام في السلطة، ولكن يمكن القول إن الهدف الأساسي هو ما يمكن أن نسميه "اختبار صلاحية النعرة التي تحمل عصبية الطغمة"، والتحقق من قدرة هذه النعرة على العمل والقتل. وأيضًا التحقق من استمرار غياب التفكير، لأن هذا الغياب هو الضامن لاستمرارية "الإمعية" التي توجِّه سلوك حاضنة النظام الاجتماعية. ولذلك تقترح المقالة هنا أن تسمي هذه الحكاية "التحقّق من النعرة القاتلة" (أو هجاء الإنسانية)، وأن تستخدم هذا الاسم بدلًا من "انتخابات".

ليس الموالي هو الغبي الذي يصدّق حكايات النظام في سورية، بل الذي يدرك أن النظام يكذب

يمكن الوصول إلى هذه التسمية انطلاقًا من إمكانية توصيف بنية النظام الاجتماعية بالعصبوية. ويمكن للمرء، استنادًا إلى ذلك، أن يقول إن حاضنة النظام هي جماعة إمعاتٍ عصبوية تتميز بغياب التفكير. ولهذا السبب بالتحديد، تنتج هذه الحاضنة الشر وتحتضنه بوصفه قوةً لازمة لضمان استمرار غياب السياسة؛ فلا يمكن أن تعيش جماعات الإمعات إلا في هذا الغياب. ومثل الجماعات العصبوية كلها، تحتاج جماعة الطغمة إلى نعرة تحمل العصبية، بتعبيرات ابن خلدون، وهذه النعرة هي التي تغذّي الكوجيتو الخاص بها: "أنا أقتل إذًا أنا موجود". وبتعبير آخر، يمكن القول إن "التحقق من النعرة" التي يسميها النظام "انتخابات"، هو عمليةُ تحققٍ من كره حاضنة النظام العقل؛ فليس الموالي هو الغبي الذي يصدّق حكايات النظام، بل هو الذي يدرك أن النظام يكذب، ولكنه يمشي معه في كذبته مخلصًا إلى اللانهاية، من دون تفكير. يعني ذلك أن الموالي هو "الإمعة"، وهو الذي لا يُفكر؛ فلا يمكن أن يتجاوب مع أفعال "التحقق من النعرة" ويسميها "انتخابات" إلا من يمقت التفكير ويحتقر المنطق، وهذه العملية مُصممةٌ أصلًا لاختبار صلاحية هذا الاحتقار ومستوى رسوخه. ويمكن أن نقول إن الموالي هو كائن ميسولوجي (Misologist)، بتعبيرات سقراط، يعني "كاره العقل"، بتعبيرات كانط، تغيب لديه نِيَّةُ تعلم تمرين العقل الأولي والبديهي، وهو مساءلة قناعات العقل القديمة أمام الحقائق الجديدة. لذلك تبدو الحقيقة عند هؤلاء جميعًا شيئًا اكتُشفَ دفعةً واحدة في لحظةٍ زمنية معينة؛ ولا تعود الحجج المنطقية نافعةً للتفاهم معهم، بل إنهم مع الزمن يفقدون تقنيات الحوار كلها، ولا يبقى لديهم من أدوات التواصل شيئًا، ولا يملكون وسيلةً للتعامل مع الآخر إلا التخوين، والشتيمة، والضرب، والتعذيب، والقتل، وإلى ما هنالك. وبالمناسبة، ينطبق هذا التوصيف على الإمعات كلهم، ومنهم إمعات المعارضة الذين غاب عنهم التفكير أو السياسة أو كلا الأمرين معًا.

يمكن مقاربة "كره العقل" بوصفه نوعًا من هجاء الإنسانية بعد أن يفقد المرء الطريق إليها، والتشبيح صورة من صور تعيين هذا الفقد

ونصل إلى سؤالٍ آخر، لماذا تكره هذه الجماعة العقل، وتمقت التفكير؟ وفي الحقيقة لا يمكن الادّعاء أننا نمتلك فهمًا عميقًا وشاملًا لهذه الظاهرة، ولكن يمكن أن نربط بين إصابة هذه الجماعة بـ"كره العقل" وإصابتها بـ"كره الإنسان" (Misanthropy)؛ فكراهية الناس وكراهية التفكير لهما المنبع الذهني ذاته. ويمكن مقاربة "كره العقل" بوصفه نوعًا من هجاء الإنسانية بعد أن يفقد المرء الطريق إليها، والتشبيح صورة من صور تعيين هذا الفقد. عندما يفقد المرء طريقه إلى الإنسانية يصير نكرةً، غيرَ معرّفٍ بدلالة إنسانيةٍ ما، ولا يحمل توقيعًا لوجوده الحيوي؛ فيهجو الإنسانية ويكرهها، ويعبر عن ذلك في صورةِ استهزاءٍ بالحجج المنطقية، وتسفيهٍ لأدوات الحوار العصري وأساليب الإقناع السلمية التي طوَّرها الإنسان، أي أنه يهجو الإنسانية بصورةٍ "تشبيحية"، ولا شيء يمكن أن يحدث للمرء أسوأ من أن يصير كارهًا للحجج المنطقية (Arguments)، والتعبير لسقراط الذي كان يحذّر دائمًا من أن نصير كارهين للعقل، ومن أن نكره الحوارات المنطقية بالصورة التي يكره كارهو الإنسان البشرَ من حولهم (Misanthropists). وبحسب أفلاطون، كان سقراط مستعدًا للموت دفاعًا عن هذه الفلسفة. وبالمناسبة، نرى أن هجاء "إسرائيل" المتكرّر للإنسانية بصورةٍ تشبيحية هو جوهر المعاناة الفلسطينية أيضًا.
يحيلنا هذا المسار في التفكير على مفهومٍ فارقٍ، يمكن تسميته "المُغايرة"، ونعني فيه مشاركة الآخر في عمليات التفكير في ذواتنا (في الـ"نحن")، وفي فهم ذواتنا، ومقاربات وجودنا، وحريتنا، وسردياتنا الإيمانية، ومنظوماتنا الأخلاقية، وهذه المغايرة بالتحديد هي علامة مفهوم الجماعة الوطنية الفارقة، إن صح التعبير، وهي التي تميزها من غيرها بوصفها جماعةً معرّفةً بدلالة الإنسانية والانتماء إليها، وهي نقيض الجماعة التشبيحية المُعرّفة بدلالة هجاء الإنسانية وكره العقل.
والخلاصة، يعيش مصطلح "الانتخابات" مع الجماعات الوطنية، لأنها قابلة لإنتاج بيئة ديمقراطية من النوع الملائم لحياة هذا المصطلح. أما الجماعات التشبيحية فلا تقبل أي مصطلحاتٍ ديمقراطية أو إنسانية، لكنها تنجز بصورةٍ دورية عمليةً نسميها "التحقق من النعرة القاتلة" أو هجاء الإنسانية، كالتي تحدث في سورية هذه الأيام.