التحرّش و"الحس الأخلاقي" والسياسة

11 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

تُعدّ ردة الفعل الكبيرة على واقعة التحرّش الصادمة التي شهدها حي المعادي، جنوب القاهرة، أخيرا، حدثًا سياسيًا بامتياز. ولا ينكر منصفٌ أن تفاصيل الواقعة ساهمت في قوة هذا الغضب: سن الضحية، وفقرها، وعمر الجاني ومستواه الاجتماعي، وغيرها من التفاصيل التي يستحيل أن يجد فيها شخصٌ متّزن نفسيًا وعقليًا أي ثغرةٍ للتبرير أو التجاهل. والقيمة الأوسع دلالة هي قيمة ردّة الفعل الغاضبة، فالغضب أحد أهم روافع التغيير السياسي، وعندما يموت الحس الأخلاقي (أو يتبلد) يستعصي التغيير السياسي. والمجتمعات تفكر في الهدم والبناء في واقعها السياسي بخليط من القناعة والحماس الوجداني الذي لا يمكن فصله عن الحس الأخلاقي. وفي حالة كالحالة المصرية كانت واقعة مقتل الشاب خالد سعيد (يونيو/ حزيران 2010)، على يد الشرطة بداية سلسلة من ردود الفعل الغاضبة، وهي ردود بدأت إنسانية وانتهت سياسية.

والتعايش الصامت مع الظواهر الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية المستهجنة من علامات موت كل ما له صلة بالشأن العام بمعناه الواسع. وهذا التعايش بالتالي من علامات موت السياسة. وإدانة مثل هذه السلوكيات، كإعلان موقف، لم تكن تشغل الملايين من الناس، وكان كثيرون لا يملكون وسيلةً لمعرفة ما يحدث، ويفتقرون إلى منبر لإعلان مواقفهم، وربما كانوا يفتقرون إلى شجاعة إعلان مواقفهم. ومع اتساع نطاق تأثير "السوشيال ميديا"، أصبح عشرات الملايين يملكون وسيلةً للمعرفة، ومنبرًا لإعلان مواقفهم. وبعد سنوات طويلة من الإحساس العميق لدى كثيرين بأنهم أصبحوا غرباء في مجتمعاتهم، وأنهم عاجزون عن مواجهة طوفان تغيير كاسح يمثل الأغلبية، أدركوا في فضاء "السوشيال ميديا" أنهم كثيرون. وتأكّدوا، بالتجربة الفعلية، أنهم قادرون على مواجهة وهم أنهم أقلية غريبة في محيط من السلوكيات والقيم التي يرفضونها.

شعور كل مسؤول وكل متنفذ بأنه يمكن أن يفلت من العقوبة أحد أهم أعمدة النظم السياسية القمعية

والتبلد الأخلاقي هو الآخر كان نتيجة من نتائج إحساس عميق بالعجز، جعل شرائح واسعة من المجتمع تتعايش مع ما تكره في صمت، أو تكتفي بالسخرية أو حتى الامتعاض في دوائر شخصية ضيقة، ونسبة كبيرة منهم كانت لا تعبأ بأن تُبدي رأيها أصلًا، استسلامًا لقناعةٍ بأن السؤال غير مطروح عليهم ابتداءً. وخلال العشرية التي مضت من عمر "الربيع العربي" أصبحت المنصّات الفردية التي تتيحها "السوشيال ميديا" قادرة على فرض "أجندة" للمجتمع. وهذه الأجندة أكدت وجود مشتركٍ عام جديد في مجتمعٍ فشل محترفو السياسة فيه في أن ينجزوا "مشتركًا عامًا" في الممارسة السياسية المباشرة. وفي الحالة المصرية مثلًا، يشمل المشترك العام الذي تعكسه هبّات الغضب الافتراضية قائمةً طويلةً من الوقائع التي كشفت عن قدر ملموس من الاختلافات، لكنها لم تكشف عن انقسامات. وبعض الوقائع المقصودة في هذا السياق انتهاكات على يد الشرطة، وبعضها وقائع تحرّش فردية أو جماعية أو اغتصاب أو تنمّر، وجميعها تشكل ما يمكن اعتباره "الحس الأخلاقي" المستعاد. واستعادة هذا الحس تؤدّي، بالممارسة المستمرة، إلى بلورة مشترك أخلاقي عام، وهو حتى الآن يدور، في معظم الوقائع التي حدثت خلال هذه العشرية، حول الكرامة الإنسانية وحرمة الدماء والانتهاكات بحق النساء.

وفي واقعة التحرّش التي ذاعت أخيرا، هناك دور مباشر لسيدة واجهت المعتدي في "محل الواقعة"، وردود فعل سريعة خلال ساعات في فضاء "السوشيال ميديا"، ونقاشات تلت الصدمة تحمل قدرًا كبيرًا من الرفض (وإن كان هناك القليل من التبرير). والسائد في التعليقات إصرارٌ على طيّ صفحة إفلات الجناة من العقوبة، وهذا بالتحديد "حسّ عام" مرشّح لأن يصبح أكثر تجريدًا وعمومية، وأن يتسع نطاقُه ليشمل رفضًا مجتمعيًا لإفلات أيِّ من الجناة من قبضة العدالة، في الوقائع الجنائية والسياسية على السواء. وشعور كل مسؤول وكل متنفذ بأنه يمكن أن يفلت من العقوبة أحد أهم أعمدة النظم السياسية القمعية. والإدانة سلاح أخلاقي فتاك يزداد القلق منه بوتيرة ملحوظة. والإصرار على العقاب يمنح كثيرين إحساسًا بالثقة في قدرتهم على التغيير، وهو إحساس لا غنى عنه لنجاح مساعي التغيير أيًا كان مجالها.