التحريض الإعلامي بين تونس وليبيا

التحريض الإعلامي بين تونس وليبيا

29 اغسطس 2021
الصورة

وزيرا خارجية ليبيا وتونس نجلاء المنقوش وعثمان الجرندي في مطار قرطاج (1/1/2021/Getty)

+ الخط -

بالتوازي مع الأزمة السياسية المستمرة، في ظل حالة من الانغلاق وانعدام وضوح الرؤية السياسية للمرحلة المقبلة، تستمر حالة التحريض الإعلامي في تونس، سواء من خلال وسائل إعلام محلية أو على مواقع التواصل، حيث تختلط الشائعات مع الأكاذيب، مستفيدة من غموض الوضع، وتدور في غالبها حول مطاردة رموز الفساد المفترضين، أو الموقف من شخصيات حزبية أو سياسية مثيرة للجدل، على الرغم من أن ما يحصل فعليا على الأرض منفصل تماما عما تشيعه مواقع التواصل، وما تنشره الصحافة الصفراء. غير أنه لا يمكن نفي التأثير السلبي لحالة التحريض الإعلامي المتزايد، وما تحقن به الشارع من التوتر والدفع نحو الانقسام المجتمعي.
تجاوزت حالة التحريض الإعلامي، في الأيام الماضية، الوضع الداخلي لتثير أزماتٍ مع دول خارجية، من خلال إشاعات مستفزّة، جديدها الحديث عن وجود مائة إرهابي تونسي في قاعدة الوطية الليبية، تحت إشراف قيادات تركية مفترضة، تستعد لمهاجمة التراب التونسي، وهدفها الأساسي إثارة الفوضى وقلب نظام الحكم، وانخرطت وسائل إعلام رسمية في استضافة أشخاصٍ، تحت مسمى محللين سياسيين، للاستفاضة في الحديث عن هذا الخطر المحتمل. وقد أثارت حالة التحريض ضد الجوار الليبي، وفي ظل استمرار إغلاق الحدود المشتركة، رد فعل رسميا من حكومة الوحدة الوطنية الليبية، حيث وصل وفد وزاري ليبي رفيع، وأجرى محادثات في العاصمة تونس، وانتهى اللقاء بالاتفاق على الخطوات الممكنة بخصوص فتح المعابر. ونفى الطرفان بشكل قطعي كل ما راج بخصوص وجود مجموعات إرهابية مفترضة تخطط لمهاجمة تونس انطلاقا من ليبيا، وقال وزير الخارجية التونسي إن ما يُقال في هذا الصدد "مجرّد معلومات فيسبوكية".

تونس وليبيا تعيشان على وقع أزمات سياسية تقتضي معالجة هادئة ورصينة، بعيدا عن خطابات التحريض والتوتير والتأزيم

ربما يكون قد تم تطويق أثر هذه الشائعات من الأطراف الرسمية في طرابلس وتونس، غير أن هذا لا ينفي استمرار التأثير السلبي لحالة التحريض الإعلامي المستمر، والتي تتغذّى من وجود دعايات متوازية في كلا البلدين، فلا يمكن إنكار وجود أطراف ليبية، وتحديدا المحسوبة على مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، تساهم في تغذية الشائعات المنتشرة في تونس، ومنها تصريحات النائب الليبي، علي التكبالي، الذي تكلم عن وجود مخطط إرهابي ترعاه جهات رسمية ليبية لاستهداف تونس واغتيال رئيس الدولة، وهي تصريحاتٌ تندرج ضمن تصفية حسابات سياسية داخلية في ليبيا. وسرعان ما تم تلقّف هذه التصريحات لدى جهات إعلامية في تونس لتحولها إلى قضية الساعة، حتى بعد صدور التصريحات الرسمية بين الطرفين، الليبي والتونسي وتأكيدات وزيري الخارجية في البلدين على أن جوهر الخلاف يتعلق بضرورة التنسيق في مسألة إغلاق المعابر الحدودية وفتحها. أما التهديد الإرهابي لتونس فإن من العبث تصديق أن حكومة الوحدة الوطنية الليبية التي تسعى إلى إنجاح فترة حكمها الانتقالي تسمح بوجود ما يهدّد تونس، فضلا عن أن كل الحدود الليبية هي في الواقع تحت الرقابة الدولية لقوى كبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة.
استمرار التحريض الإعلامي، ومحاولة تخليق الأزمات مع دول الجوار، سلوك دعائي فجّ لتوجيه الأنظار بعيداً عن الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وأن الأزمات الداخلية التي تعيشها تونس وليبيا هي في النهاية شأن خاص، لا يمكن تجاوزه إلا بتوافقات وطنية وحلول داخلية. ومن الخطأ السعي إلى توظيف دول الجوار أداة لتصفية حسابات داخلية، أو تصدير أزمات محلية عبر تدويلها، خصوصا أنّ كلا البلدين يعيشان على وقع أزمات سياسية تقتضي معالجة هادئة ورصينة، بعيدا عن خطابات التحريض والتوتير والتأزيم.

العلاقات بين تونس وليبيا ينبغي أن تكون فوق الحسابات المحلية الضيقة، ولا تكون مجالا لتصدير أزمات سياسية داخلية

وينبغي أن يلاحظ في هذا السياق الدور السلبي الذي لعبته وسائل الإعلام ومواقع مدفوعة الثمن على منصّات التواصل الاجتماعي، من أجل مزيد الدفع نحو الفوضى السياسية والانقسام المجتمعي، بينما كان المفترض أن تكون الأزمات مدخلا إلى مزيد الوحدة والتضامن الوطني. والأكيد أن ما تقوم به هذه الأدوات الدعائية من صحف وقنوات ومواقع إلكترونية ليس من قبيل العمل الإعلامي المهني، وهو بالتأكيد ليس أمرا عفويا، وإنما يندرج ضمن توجّه واسع، يسعى إلى نسف الاستقرار في المنطقة، ودفعها إلى المجهول، والسعي إلى إعادتها إلى مربع الاستبداد والعنف والفوضى الاجتماعية وهو ما يدعو إلى مزيد الحذر والانتباه خصوصاً لدى الجمهور العام وهو المستهدف دائما بمثل هذا الضخ الإعلامي المستمر.
العلاقات بين تونس وليبيا ينبغي أن تكون فوق الحسابات المحلية الضيقة، ولا تكون مجالا لتصدير أزمات سياسية داخلية، لأن العلاقة بين الشعبين مستمرة، بغض النظر عن الأنظمة التي تحكم البلدين وما تقوم به بعض وسائل الإعلام التي تقف وراءها قوى إقليمية ذات توجهات معادية لشعوب المنطقة لا يخدم مصالح الدولتين، بقدر ما يمثل أداة مشبوهة لإشاعة مزيد من بؤر الفوضى والتوتر.