التباعد الجسدي والعيش المشترك

15 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

هل تساهم الأوبئة في زعزعة الروابط الاجتماعية وقواعد العيش المشترك؟ هل يساهم الحجْر والعزْل الصحيان في بناء قواعد جديدة في التواصل والتعاون داخل المجتمعات البشرية؟ لا بد من التوضيح، في البداية، بأن العيش المشترك يقوم على التآزر والتعاضُد، وتُرَسِّخه قِيم الحوار والتسامح. وهو طريقٌ نسجت المجتمعات، بواسطته، صور المودّة والألفة، ومختلف العواطف والتعبيرات الرمزية المرتبطة بالحياة المجتمعية، كما تبلورت وتطوَّرت في التاريخ. وإذا كان مؤكّدا أن إجراءات الحجْر والعزْل زمن الأوبئة ترتبط بفتراتٍ محدَّدة تَطُول أو تَقْصُر، فإن الاستقرار الذي يعرفه بعضها، وما يتطلبه من إجراءات تقضي بالتعايش مع الوباء، كما الحال في الإجراءات الاحترازية المرتبطة بكوﭬﻳد 19، يُوَلِّد أوضاعاً جديدة تمسّ مختلف أوجه ومظاهر الحياة.

بدأ الحديث عن إجراء التباعد الجسدي والاجتماعي المؤقت بين الأفراد داخل المجتمع، بعد معاينة طبيعة وباء كورونا، وصور انتشاره المتزايدة، وذلك من أجل محاصرته والحدِّ من انتشاره. وقد تَمَّ التعبير عن ذلك في جملةٍ من الوصايا والإجراءات، لدفع الأفراد إلى الالتزام بالقواعد الصحية المناسبة لأشكال انتقال الفيروس، إلا أن السؤال هنا: هل ستعود الأحوال العامة داخل المجتمع إلى ما كانت عليه قبل تنفيذ إجراءات الحجْر؟ ثم ما هي الكلفة الاجتماعية والنفسية التي ستنتج عن إجراءات الحجْر الصحي؟

أدخل الحجْر الصحي أغلب المجتمعات في نمط جديد من العلاقات مع أجسادهم، ومع بعضهم بعضا

يساهم العيش المشترك، كما نتعلم من حكمة القدماء والمُحْدَثين، في تهذيب الطباع البشرية، كما يساهم في بناء جملةٍ من القيم التي تستدعيها متطلَّبات العيش مع الآخرين. وهو دليل عمليات تَحَضُّر تَمَّ بناؤها عبر تاريخ طويل، ساهمت المجتمعات البشرية، انطلاقاً منه في تنظيم الأسرة ومختلف الجماعات الصغيرة داخل المجتمع الواحد، وصولاً إلى العيش المشترك بين الأقوام والثقافات. ونتصوَّر أن إجراءات الحجْر الصحي ستخلف نتائج عديدة في مختلف أنماط العيش المشترك وتمظهراته. وعندما نتوقف قصد التمثيل أمام إجراء التعليم عن بُعْد، الذي انخرط فيه الأطفال في مجتمعاتٍ كثيرة، من دون سابق إعداد، في ضوء مقتضيات الحجر، سنتبين أنه ساهم في وقف علاقات القُرْب والتواصل التي كانت تسمح بها فضاءات المدارس والجامعات، الأمر الذي قَلَّصَ من مزايا الحوار المباشر ومكاسبه في فضاءات العيش المشترك، حيث ينشأ التوافق والاختلاف القائمان على المجابهة والإقناع.

إجراءات الحجْر الصحي ستخلف نتائج عديدة في مختلف أنماط العيش المشترك وتمظهراته

الإجراء المترتِّب عن الأزمة الصحية والقاضي بإغلاق مؤسسات عديدة أو تقليص أزمنة عملها، مثل المدارس والمعاهد والمعامل والمقاهي، وكل ما يساهم في نسج خيوط القُرْب والاختلاط والإنتاج داخل المجتمعات، أدَّى، خلال أشهر الحجْر، إلى كثير من القلق والخوف من القرب والبُعد ومن الظهور والاختفاء، الأمر الذي وَسَم الحياة المجتمعية في مختلف تجلياتها، بسماتٍ ساهمت وما زالت تساهم في إلحاق أضرار نفسيةٍ واجتماعية كبيرة بالمجتمع وبفضائل العيش المشترك ومزاياه. وعندما نقف مثلاً على الإجراء الخاص بإلغاء الأفراح وطقوس الأحزان الجماعية المرتبطة بالمرض والموت، نتبيَّن جوانب من صور تراجُع مآثر العيش المشترك وقيمه. فقد تعطَّلت خلال الأشهر التي مرَّت من سنة 2020 كثير من أوجه وطقوس الحياة التي استأنسنا بها، وصنعت مواسم مسرّاتنا وأحزاننا وأحوالهما. ولا أريد التحدّث هنا فقط عن وقف الأفراح والحفلات والأنشطة الثقافية، ولا عن الشباب الذين ينتظرون أفراح أعراسهم، وإنما الإشارة إلى ما أصبح يُعْرَف بالوداع الممنوع، حيث يُعْزَل المصابون بوباء كورونا ويُمْنَع الأقارب والأهالي والأصدقاء من رؤيتهم وتوديعهم. 

تقلصت علاقات التواصل والقرب، وأغلقت كل الأبواب والنوافذ التي بُنيت لِتَشَكِّل فضاءات للتواصل والتقارب الاجتماعي

أدخل الحجْر الصحي أغلب المجتمعات في نمط جديد من العلاقات مع أجسادهم، ومع بعضهم بعضا، تقلصت علاقات التواصل والقرب، وأغلقت كل الأبواب والنوافذ التي بُنيت لِتَشَكِّل فضاءات للتواصل والتقارب الاجتماعي. وبعد قرارات رفع الحجْر المرتبطة بمبدأ التعايش الاحترازي مع كوﭬﻳد 19، وجد البشر، في البداية، صعوبةً في استئناف نمط الحياة المألوف قبل أشهر الحجْر، وشكَّل هاجس الخوف من المجهول، ما عزَّز الاستمرار في نوع من العزل الإرادي الذي يتطلبه الخوف من فيروسٍ ما زالت كثير من تحوُّلاته وأعراضه غامضة. 

يساهم العيش المشترك، كما نتعلم من حكمة القدماء والمُحْدَثين، في تهذيب الطباع البشرية

يساهم إجراء التباعد الاجتماعي والجسدي في تقوية الحضور الشبكي في حياتنا، فقد أصبحت الشبكات بديلاً لمزايا القرب والتفاعل اليومي المشترك، داخل المجتمع وبتوسّط مختلف مؤسساته. ويوماً عن يوم، تتقلَّص أدوار تنظيمات المجتمع المدني، وتنخفض مستويات أدائها وأنشطتها، بعد أن كانت تُشَكِّل قطباً مركزياً في تعزيز قيم العيش والعمل المشترك، فقد انخرطت في دروب التواصل عن بعد، حيث بدأنا نُعاين جملةً من الأنشطة التي تستعين بالتقنيات الجديدة التي توفرها فضاءات العالم الرقمي. وإذا كنا قد وقفنا، منذ عقود خَلَت، على أشكال تهديد العولمة في صيغها المرتبطة بالليبرالية الجديدة، وقد اتجهت إلى تعزيز أنماطٍ من التعايش أقرب ما يكون إلى التَّوَحُّش، حيث تختفي قيم التآزر والتعاون لِتَحُلَّ محلها قيم العنف والعداء، فإن الأمر ازداد سوءاً في الأشهر الأخيرة، بمناسبة ما خلَّفه الوباء من آثار في مختلف مظاهر الحياة، حيث سَجَّلَت مجتمعاتٌ كثيرة تزايد درجات العنف داخلها في الأسرة وفي المدرسة والحزب والنقابة، الأمر الذي ستكون له انعكاسات على فضاءات العيش المشترك وأخلاقه.

يُدْرَج التفكير اليوم في العيش المشترك ضمن مبحثٍ يروم إعادة بناء القيم في عالمنا، في ضوء مختلف المتغيِّرات الجديدة المرتبطة بالأزمة الصحية التي لحقت بمجتمعاتنا، وانعكست على مختلف صور العلاقات الْبَيْنِيَّة داخل المجتمع الواحد، وبين مختلف الجماعات البشرية، الأمر الذي أصبح يتطلب إعادة النظر في مقوِّمات التربية، والبنيات الصحية، وإعادة النظر في بناء أخلاقٍ جديدةٍ بديلة للقيم التي استأنسنا بها، فأمامنا اليوم، في زمن الوباء وفي أزمنة الشبكات، ما يستدعي العمل من أجل تركيب المبادئ العامة لأخلاق الانتماء المشترك لعالمٍ بلا حدود.