البُعد عن التعليم والتعليم عن بُعد

البُعد عن التعليم والتعليم عن بُعد

08 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

ثنائية تعليمية في غاية الخطورة على مجتمعنا العربي الذي تفوق نسبة الأمية في بعض أقطاره التصوّر، ناهيك عن الأمية في تلقي التعليم عن طريق التطبيقات التكنولوجية الحديثة (الحاسوب). وكانت الأمية تعرَّف بأنها عدم القدرة على القراءة والكتابة. وتعريف آخر للأمي أنه ذلك الإنسان الذي لم يتعلم كيف يتعلم الجديد. وعلى ذلك إن كان الطالب/ التلميذ قد تلقّى جرعة معرفية في دروسه اليومية عبر الحاسوب، وخصوصا في التعليم العام، فذلك يقتضي مراقبة الأم أو الأب أو أحد أفراد الأسرة لسير عملية التعلم عن بعد، إلا أن المشكلة تظهر إذا كان أولياء الأمور ليست لهم معرفة بالتطبيقات الحديثة، وبمراقبة ومتابعة تلقي أبنائهم دروسهم عن بعد، وبذلك تؤدي النتيجة إلى "البعد عن التعليم" والانشغال بغيره.
التعليم التقليدي (الكلاسيكي) تناولته أقلام الكتاب، أصحاب الاختصاص، نقدا وتحليلا، عبر القارّات، مطالبين بثورةٍ إصلاحيةٍ في هذا المجال، والولايات المتحدة الأميركية سبقت غيرها من الأمم، بحسب علم الكاتب، وشكلت لجنة عليا لمراجعة كتابة مناهج التعليم وإعادتها، فأصدرت هذه اللجنة تقريرها المشهور بعنوان "أمة في خطر". وكذلك فعلت اليابان، وغيرها من دول العالم الصناعي، لذلك كان حريا بنا، نحن العرب، أن نتبنى تلك الفكرة، ونقول "نحن أمة في خطر".

محاولة تزيين التعليم عن بعد والتذرّع بأن اللجوء إليه يؤدّي إلى توفيرٍ في النفقات المالية، وإلى الحدّ من زحام المرور في الشوارع، إنها، والحق، ذرائع مضللة وخبيثة

ويقول مهندس التعليم في وزارة المستعمرات البريطانية، تومس ماكولاي: "لن نستطيع إخضاع أمة لإرادتنا إلا بتكسير عظام عمودها الفقري التي هي لغته وثقافته وتراثه الروحي". وهذا ما يُفعل بنا نحن العرب اليوم. تعليم عن بعد، غير مؤهلين لممارسته، لا طلابا، وفي معظم الحالات ولا معلمين.
(2)
تناول وزير التربية والتعليم في البحرين سابقا، علي فخرو، هذه المسألة بالشرح والتحليل في صحيفة القدس العربي، في 4 فبراير/ شباط الجاري، من منطلق العالم المجرّب، وليس مجرد كاتب صحافي يلقي بعصارة قلمة على صفحات الجرائد، لتأدية واجبه صحافيا متعاقدا أو موظفا في الصحيفة. يؤكد فخرو "إن غياب الطالب/ الطالبة عن مدارسهم زاد في قلقهم العاطفي والنفسي. أما المعلمون الذين سئلوا عن مقدار رضاهم عما حدث، فإن غالبيتهم الساحقة أكدوا أن غياب التفاعل الصفّي سيضرب مستوى التعليم والتنشئة بصورة كبيرة وخطيرة".
(3)
من تجربتي العملية في مجال التعليم، أنبه كل صاحب قرار ورأي في بلادنا إلى خطورة التعليم عن بُعد في الجامعات والتعليم العام. إن محاولة تزيينه والتذرّع بأن اللجوء إليه يؤدّي إلى توفيرٍ في النفقات المالية، وإلى الحدّ من زحام المرور في الشوارع، إنها، والحق، ذرائع مضللة وخبيثة. أما الجامعة فإنها ليست مكانا لتلقي المحاضرات فقط، وإنما أيضا مكان لصقل العقول، وتعزيز التفاعل الاجتماعي والثقافي وتبادل المعرفة بين الطلاب. إنها من أدوات تعزيز الوحدة الوطنية، الأمر الذي يؤدي إلى تحصين الجبهة الداخلية من أي اختراقات فكرية أو سواها. جمهور الطلبة في الجامعات يأتي من أسر مختلفة الثقافات والأعراق من أحياء وقرى متباعدة، فالجامعة تصقل تلك الوحدة الاجتماعية في بوتقةٍ علمية وطنية واحدة، ويتعارف طلاب الجامعة على قدرات ومهارات بعضهم بعضا، لأنهم سيكونون رجال المستقبل الذين ستوكل إليهم مهام إدارة الدولة، كل في حقل اختصاصه.

يجب الإعداد لوسيلة التباعد في قاعات الدراسة والالتزام بالكمّامات، وكذلك تطبيقات التحقق من الحالة الصحية

يكون التحصيل العلمي للطالب أقوى وأجدى وأكثر نفعا عندما يكون التلاقي بين الطالب وأستاذه وجها لوجه. وقد قال كثيرون من طلابي إن تحصيلهم العلمي يتدنّى، نظرا إلى غياب المناقشة الصفية بين الطالب وأستاذه، وكذلك الحوارات والنقاشات بين الطلاب أنفسهم داخل القاعة الدراسية وخارجها. يقول أحدهم إنه لا يعرف أستاذه الذي يتتلمذ على يديه، ولا يراه، وإذا رآه عبر الشاشة فذلك لا يثير عنده محاكاة أدائه، حتى ولو كان أداءه مؤثرا ومميزا. والحق أن التعليم عن بُعد يفقد الطالب آداب الحوار في مجتمعه الجامعي، والتفاعل الحي في المناقشات المفتوحة بين الطلاب من جهة، ومع أساتذتهم من جهة أخرى.
(4)
أعرف أننا في ظروف جائحة كورونا المتصاعدة، يجب أن نتصدّى لانتشارها في المجتمع بكل الوسائل، ومنها الحد من التجمعات والتكدّس في أماكن ضيقة. ولكن يجب أن تُستثنى من ذلك ميادين الجامعات والمعاهد التعليمية. وهذا لا يعني التكدّس داخل قاعات الدراسة، وإنما يجب الإعداد لوسيلة التباعد في قاعات الدراسة والالتزام بالكمّامات، وكذلك تطبيقات التحقق من الحالة الصحية، عند المداخل الرئيسية للكليات، وذلك من أجل التحصيل العلمي بأفضل صورة وأنجح طريقة.
آخر القول: التعلم في ميادين المعرفة، وهي المدرسة والجامعة والمعهد، يعمق مفهوم المواطنة، ويزيد في الانتماء للوطن ويعزّز مناهج المعرفة عند الطالب.