البعد الاستراتيجي في علاقات تركيا وأفريقيا

البعد الاستراتيجي في علاقات تركيا وأفريقيا

25 ديسمبر 2021

رؤساء وفود قمة الشراكة التركية الأفريقية في إسطنبول في ضيافة أردوغان (18/12/2021/الأناضول)

+ الخط -

يعكس انعقاد القمة التركية الأفريقية الثالثة، ديسمبر/ كانون الأول 2021، وجود رغبة مشتركة في تطوير العلاقات الجماعية والثنائية. وتشير استجابة الدول الأفريقية لعقد القمة بعد اجتماع أنغولا للشراكة التركية الأفريقية في 18 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي إلى وجود تفاهم على مسارات التعاون وغياب القلق من العلاقات غير المتكافئة. وهنا، تبدو أهمية النقاش حول مدى استقرار استراتيجية تركيا توسيع علاقاتها مع البلدان الأفريقية في ظل التنافسية الدولية. وتُعد هذه القمة امتداداً للقمة الأولى في إسطنبول، أغسطس/ آب 2008 ، وأيضاً، بيان قمة الشراكة الثانية المنعقدة في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 في مالابو، غينيا الاستوائية. وقد شهدت لقاءات القمة تزايداً في مستوى المشاركة على مدى 14 عاماً، ليصل إلى 43 دولة، يصاحبه ارتفاع مستوى التمثيل برؤساء الدول والحكومات ثم الوفود والممثلين الديبلوماسيين. وفي مستوى آخر، تنعقد اجتماعات متتابعة للوزارات تحت إطار "منتدى الاقتصاد والأعمال" لتشبيك المسارات الفنية للتعاون بين الكتلة القارية وتركيا، فقد عقدت بعثة الاتحاد الأفريقي ووزارة التجارة التركية المنتدى التركي الأفريقي الثاني للاقتصاد والأعمال، 10 – 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، لمناقشة التعاون الاقتصادي والتجارة ، وتتلاقى فكرة المنتدى على روح الشراكة الدائمة وفق إعلان تركيا شريكاً استراتيجياً لأفريقيا في 2008.
ومن خلال استعراض المشاركين، يمكن ملاحظة أن السياسة التركية تتعامل مع أفريقيا وفق تعريف الاتحاد الأفريقي، وليس على أساس التقسيمات الدولية للقارّة، والتي تقوم على التمييز ما بين عرب شمال أفريقيا وجنوب الصحراء. ومن المحتمل أن تساهم النظرة المتساوية للشعوب الأفريقية في توفير أرضية ملائمة للاقتراب من الواقع السياسي للبلدان الأفريقية وأنماط الصراعات الإثنية. وبشكل عام، تتبع العلاقات التركية الأفريقية القواعد العامة في التعامل الدولي، حيث المعاملة بالمثل والمنفعة المتبادلة. توفر هذه المبادئ الأرضية اللازمة لتطوير العلاقات السياسية.

تتشكل العلاقات التركية الأفريقية على مسارين؛ التعاون الجماعي عبر المنظمات الدولية والإقليمية، والتعاون الثنائي

ولعل وجود الميزات الداخلية في كل بلدان الشراكة بالاتحاد الأفريقي تُحفز على بناء الفرص المُمكنة. وقد بدت الأحاديث المتكرّرة إلى تخفيف قيود التجارة وتعزيز التنمية الاجتماعية والرفاه مؤشراً إلى الثقة المتبادلة مدعوماً باتفاقية منطقة التجارة الحرّة واسعة النظاق، وذلك بجانب سياسات منتدى الاقتصاد والأعمال، في تحفيز التنمية والتكامل الاقتصادي، والتي جاء في مقدّمتها استمرار الحوار الشامل، والالتزام بالحلول اللازمة لزيادة المرونة الاقتصادية ومعدلات النمو، بجانب التأكيد على التجارة محرّكاً للنمو ودعم القطاع الخاص وزيادة الاستثمارات في البنية الأساسية.
وتتشكل العلاقات التركية الأفريقية على مسارين؛ التعاون الجماعي عبر المنظمات الدولية والإقليمية، والتعاون الثنائي. وعلى أية حال، يقوم المساران على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بحيث تقوم العلاقات وفقاً للقواعد العامة في التعامل الدولي على أساس المعاملة بالمثل والمنفعة المتبادلة. وقد ساهمت هذه المبادئ في تفعيل العلاقات السياسية على مستوى رؤساء الدول والحكومات، بشكلٍ أسفر عن البدء في برنامج الشراكة (2015 - 2020) والمساعدة الإنمائية بمليار دولار، بجانب وضع خطةٍ مشتركةٍ للتخفيف من تداعيات كوفيد 19 وتسهيل وصول العلاج وخفض أثر احتكاره في دول الشمال، بما يساعد في العودة إلى الحياة الطبيعية. وبدا واضحاً الاهتمام بمعالجة التفاوت الناتج عن سياسات دول الشمال عبر تقاسم الموارد الصحية والإنصاف في وصولها إلى الشعوب المختلفة.
وككل الاجتماعات الدولية، انشغلت قمة تركيا وأفريقيا، بمسألة الاحتباس الحرارى، فعلى الرغم من انخفاض مساهمة أفريقيا في الإنبعاث الحراري، فإنها من الأكثر تأثراً بمشكلات تغير المناخ، ومن وجهة المسؤولية عن التغيرات المناخية، عُرض اقتراح بتحمّل بلدان الشمال تكاليف تخفيف المخاطر على بلدان الجنوب، كما طُرح منظور آخر على قاعدة المسؤولية المشتركة النسبية تجاه التداعيات المناخية، بحيث تتضافر المبادرات الدولية والإقليمية لخفض الانبعاث. تعمل هذه القاعدة على تكفل الدول الصناعية بتكاليف معالجة التغير البيئي والتعويض عن الخسائر المترتبة عليه بجانب مساعدة البلدان الأخرى على تطوير التكنولوجيا الصناعية. وفي هذا السياق، دعمت القمّة مبادرات حوض الكونغو ومنطقة الساحل والبلدان الجزرية الصغيرة في مكافحة التصحر والجفاف.

تعمل قمة الشراكة التركية الأفريقية الثالثة على وضع برنامج عملٍ للمرحلة التالية، ما يؤسّس لدورية انعقاد تتلاءم مع التغيرات الإقليمية والدولية

وفي مستوى آخر، هناك إدراكٌ للاقتراب من العدالة في العلاقات الدولية، حيث يقوم التبادل على ضمان تعدّدية الأطراف الفعالة في النظام العالمي والتخلي عن الاحتكار والانتقال نحو الفرص المتكافئة لكل الشعوب. تتلاقى هذه التطلّعات مع سياسات الاتحاد الأفريقي في البحث عن ترقية التمثيل في الأمم المتحدة ليكون ضمن الأطراف الفاعلة دولياً، كما يُساعد على تنويع العلاقات الأفريقية مع البلدان الأخرى، ليماثل أطر العلاقة مع كل من روسيا وفرنسا والصين، كما يتلاقى مع الاتحاد الأفريقي في مكافحة الإرهاب والعنف المسلح والتعاون مع الحكومات القانونية.
وفي ظل هذه التوافقات، تعمل قمّة الشراكة التركية الأفريقية الثالثة على وضع برنامج عملٍ للمرحلة التالية، ما يؤسّس لدورية انعقاد تتلاءم مع التغيرات الإقليمية والدولية، حيث يندرج برنامج عمل الفترة من 2022 إلى 2026 في ثلاثة محاور، يأتي في أولوياتها، السلام والأمن، العدالة، التنمية، التجارة والاستثمار، لتشكل أرضيةً للعلاقات الجماعية والثنائية لترقية مستوى الحياة. وحسب البيان الختامي، إعلان إسطنبول في ديسمبر/ كانون الأول 2021 بشأن الشراكة بين أفريقيا وتركيا، إسطنبول، تُراعي برامج الشراكة تنوع احتياجات الدول وقدرتها على تحمل أعباء تعديل علاقتها مع العالم، ولذلك، يسير التعاون في مستويين؛ الجماعي على مستوى الاتحاد الأفريقي والثنائي، حسب احتياجات البلدان بشكل يراعي أولويات القارّة وفق خطة 2063 ومراحلها الحالية.

جدل بأن توجّه تركيا نحو أفريقيا هو نتيجة فشل محادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي، بغرض الحصول على الفرص البديلة

وتوضح مؤشّرات السياسات التركية الأفريقية، على مدى الفترة الزمنية، استقرار العلاقات السياسية وتضاعف التبادل التجاري، بجانب زيادة حجم الاستثمارات وفتح عديد من الخطوط الجوية التركية. ومن ثم، يعد تنويع مسارات التعاون في أولوية اهتمامات السياسة التركية، من المحتمل أن يكون تضاعف التبادل التجاري وخدمات النقل متغيراً مهماً في تحفيز القطاعات الأخرى وزيادة جدوى توسيع العلاقات الدبلوماسية.
وهناك جدل بأن توجّه تركيا نحو أفريقيا هو نتيجة فشل محادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي، بغرض الحصول على الفرص البديلة، وخطوة تمهيدية لتعديل هيكل النظام الدولي عبر تكوين كتلة جديدة لدول الجنوب أو العالم الثالث. وتدور هذه المناقشات حول قدرة تركيا على الدخول في تنافسية مع الدول الأخرى، الولايات المتحدة والصين وروسيا، وأنها تتوسّع على حساب وفرنسا.
وبغض النظر عن اتساع التنافس الصيني الأميركي، تبدو فرنسا في حالة انحسارٍ في السياسة الخارجية. وعلى الرغم من انعقاد القمم الفرنسية الأفريقية بانتظام، يحدُث تراجع للنفوذ الفرنسي في بلدان كثيرة، آخرها ولوج روسيا جمهورية أفريقيا الوسطى، وعقد اتفاقات واسعة في التعليم والأمن والاقتصاد، ويتكرّر النمط نفسه عندما تتوسّع الولايات المتحدة في مناطق النفوذ الفرنسي التقليدية، ومن ثم، لا تُهمل محاولات تفسير التنافسية في أفريقيا مباراة تركية فرنسية سياقات دولية كثيرة، ليس في علاقات الهيمنة العسكرية والسياسية فقط، ولكن ما يتعلق بالسياسات الناعمة بشقيها، الثقافي والديني.

وفقاً لمسارات العلاقات الأفريقية التركية، تُساهم قاعدة المنفعة المتبادلة في أن يكون الاقتصاد والسياسة جسراً لميزات تفضيلية وجاذبية

وبشكل عام، تمنح تعدّدية الفاعلين الدوليين القوى الصاعدة فرصة الدخول في تنافسية جادّة مع الاقتصادات كبيرة الحجم، حيث تتراجع القدرة الاحتكارية للأسواق أو القرار السياسي، ولدى مقاربة الوضع الحالي مع حالة العالم وقت مؤتمر برلين 1886، يمكن ملاحظة فرق جوهري، يتضح في ميل أفكار الأوروبيين إلى تنظيم سياسات للنهب ظلت مستمرة إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، على الرغم من انتشار موجات التحرّر، وكان ظهور مصطلح العالم الثالث علامة بارزة في تشكيل الطبقية الدولية. وعلى خلاف ذلك، ساهمت التعدّدية الدولية، مرحلة ما بعد الحرب الباردة، في دخول الصين، ثم روسيا وبلدان الاقتصادات الناشئة، السوق والسياسة في أفريقيا. وعلى مدى ثلاثين عاماً، تشكّلت هوامش علاقات سياسية متعدّدة على غير نمط التبعية التقليدي مع دول الاحتلال السابقة، حيث تحاول الدول الصناعية الجديدة بناء العلاقات على أساس المنفعة المتبادلة ميزة تفضيلية في دخول أسواق مُتنافس عليها.
وعلى الرغم من المحدودية الكمية لحجم علاقات تركيا مع بلدان أفريقيا مقارنة بالاتحاد الأوروبي وأميركا والصين، يمثل عاملا الثقافة والثقة أساساً مهماً لدعم المصالح المشتركة. ولعل غياب الصورة الاستعمارية لدى الأفارقة يُوسع من فرص التعاون. ووفقاً لمسارات العلاقات الأفريقية التركية، تُساهم قاعدة المنفعة المتبادلة، من دون الهيمنة، في أن يكون الاقتصاد والسياسة جسراً لميزات تفضيلية وجاذبية. ويمكن النظر إلى انفتاح تركيا على العالم التركي في وسط آسيا سياسة نشطة لتوسيع البدائل ونطاق المصالح، من شأنها تدعيم شبكة التعاون بين دول الجنوب على أسس اقتصادية وسياسية، لتجنب مخاطر الإكراهات الآتية من دول الشمال. ومن ثم، تبدو أهمية تكامل الشراكات فيما بين التجمعات الإقليمية في الجوار الأفريقي.