البرهان .. أو البهتان

البرهان .. أو البهتان

29 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

يتصدّر قائد الانقلاب في السودان، عبد الفتاح البرهان، المشهد منذ فجر الإثنين الماضي، عندما قرر العسكر إطاحة الحكومة المدنية، على عكس محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي يقف في الصف الخلفي. لم يتضح سبب ذلك بعد. ولكن يمكن التكهن أن الأمر يتجاوز مجرّد أن البرهان رئيس المجلس السيادة (الذي حلّه) على عكس حميدتي الذي كان يحظى بمنصب النائب.

البرهان هو الأكثر إجادة لتزوير الحقائق وقلبها وتطويعها من أجل مصلحة العسكر. برّر الانقلاب بالحفاظ على السودان وثورته، ومنعاً للحرب الأهلية، الفزّاعة المفضّلة للعسكر في بلدٍ لم يخرج منذ استقلاله قبل عقود من دوامة التمرّد وصولاً إلى انفصال جزء منه (دولة جنوب السودان حالياً)، بسبب ممارسات الطغمة الحاكمة، والتي كان البرهان جزءاً منها. رمى بتبريراته هذه من دون أن ينطق حرفا عن "عصيان" الشرق الذي حظي بدعم العسكر وإسنادهم وتشجيعهم طوال الأسابيع الماضية. استفاض قائد الانقلاب في تصوير نفسه "حامي الثورة"، والزاهد بالمناصب، في الحديث عن "تكالب" القوى المدنية على السلطة، ورفضها توسيع قاعدة التمثيل، على الرغم من أن أبرز وجهين في القوى المنشقّة عن قوى إعلان الحرية والتغيير، زعيم حركة العدل والمساواة، جبريل إبراهيم محمد، عيّن وزيراً للمالية في حكومة عبد الله حمدوك، كما أن رئيس حركة تحرير السودان، ميني أركو ميناوي، تم تعيينه والياً على دارفور، الإقليم الذي يشهد تمرّداً منذ 2003، وقاد عمر البشير ورجالات حكمه إلى الإدانة أمام المحكمة الجنائية الدولية. والاثنان (إبراهيم وميناوي) حظيا طوال الفترة الماضية بدعم العسكر في كل تحرّكاتهما، بل يمكن القول إن خطواتهما كانت تتم بتنسيق مباشر مع العسكر منذ الانشقاق وحتى تنفيذ الاعتصام أمام القصر الجمهوري. واجتمعا مع محتجّي الشرق على مطلب واحد، حل الحكومة واستجداء تحرّك العسكر.

أمّا كل ما قاله البرهان عن التمسّك بالانتقال الديمقراطي وتسليم الحكم للمدنيين والوثيقة الانتقالية، فلا يعدو عن كونه مجرّد هراء لا ينفع، لا للاستهلاك المحلي ولا الخارجي. مواد الوثيقة وبنودها التي جمّدها البرهان تُعنى في معظمها بقوى الحرية والتغيير. ما يعني عملياً أن البرهان لا يريد شراكةً. إنه يبحث عن قوى يستطيع التحكّم بها وتأتمر بأمره، مجرّد واجهة للحكم تسمح للعسكر بالاستئثار بالسلطة ما استطاعوا إليها سبيلاً.

ولم يحد البرهان عن أبجديات الانقلاب والحكم الديكتاتوري، من قطع الاتصالات والإنترنت وتقييدهما، إلى الاعتقالات السياسية العشوائية، وملاحقة المتظاهرين من رافضي الانقلاب، وصولاً إلى قرار حل النقابات والاتحادات العمالية في السودان. وفي ذلك إشارة واضحة إلى رغبته في خنق أي عمل سياسي ونقابي في الفترة المقبلة، خصوصاً بعد الدور الذي أدّته لجان المقاومة والنقابات، ومن بينها تجمع المهنيين (على الرغم من انشقاقاتٍ أصابته)، ونقابات الأطباء، من دور حاسم في دعم الثورة وإعادة الزخم إلى الشارع قبل أيام من الانقلاب في تظاهرات 21 أكتوبر.

معركة مواجهة الانقلاب في بدايتها، إن في الشارع أو سياسياً. وستكون "مليونية 30 أكتوبر" مهمة لأنها دالّة على مدى استمرار قدرة القوى المدنية في الحشد، على الرغم من الضربات التي تلقتها منذ أيام باعتقال شخصيات أساسية تقود الحراك على الأرض من جهة، ومن جهة ثانية على نهج العسكر في مواجهتها، وما إذا كانوا سيذهبون بعيداً في قتل المحتجّين، ومحاولة تحويل المشهد من احتجاجات شعبية إلى "أعمال عنف"، كما بشّر بذلك نائب السفير الروسي للأمم المتحدة، ديمتري بوليانسكي.