البديل بين الإعداد المكين وتزييف المستبدّين

26 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

تبدو مسألة البديل من المسائل التي يمكن أن يستغلها المستبدّون، ذلك أن المستبد لا يرى لنفسه بديلا فهو الحاكم بأمره النافذ في سلطانه، غير قابل للمعارضة أو المحاسبة ضمن رؤيةٍ تستند إلى مقولة فرعون "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" محتكرا الرأي؛ فلا رأي إلا له، مستأثرا بالرشاد؛ فلا رشاد إلا عنده. ومن هنا، ترى عند كل المستبدّين شعارا واحدا "أنا أو الفوضى". وفي حقيقة الأمر، هذا تزييف لمسألة البديل، ذلك أن المستبد الطاغية يرى من أهم مهامه ألا يرى الناس إلا هو، ولا يقترب أحدٌ من كرسي استبداده أو ينال من طغيانه، ومن ثم فإنه يجفّف كل المسالك التي تتعلق بالرؤية البديلة أو بالسياسة البديلة أو بالسلطة البديلة، ويدفع المستبد وزبانيته وجوقته كل هؤلاء، متهما إياهم تارة بعدم الرشد، وتارة أخرى بالطمع في السلطة، وتارّة ثالثة بالتأكيد على خيانتهم أو أنهم من أهل الشر، ضمن هذه السلسلة من التبريرات يحاول المستبد بكل طاقته أن يعدم البديل، وهذا من جملة تزييف المستبدّين هذه المسألة.

إلا أنه في واقع الأمر، وقد وصلنا إلى تلك الرؤية الاستراتيجية التي وضعها عبد الرحمن الكواكبي في نهاية كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، فنشارف المحطة النهائية في تلك القراءة التتبعية لهذا الكتاب الجليل الذي تضمّن أفكارا غاية في الأهمية في معالجة الظاهرة الاستبدادية ضمن تصوّرات ومداخل شبكية، مفسّرة للكيفية التي ينشأ بها الاستبداد ويتمدّد، فيتحدّث عن حقيقة التمكين والإعداد للبديل، فيؤكد "أنه يجب قبل مقاومة ومدافعة الاستبداد التهيئة والإعداد لما يستبدل به"، ذلك أن لكل عمل غاية، ولكل غاية طريقا موصلا، والطريق الموصل مطلب وخطة، ومن ثم فإن وضوح الغاية هو الذي يضمن تلك الخطة التي تشكّل رؤية بديلة للاستبداد في سياقات تفكيكه، ومحاولة مواجهته ضمن رؤية شاملة ومتكاملة، وإلا يتحوّل الأمر إلى حالة من الفتنة التي غالبا ما تكون في صالح المستبد والاستبداد "ومبنى قاعدة أنَّه يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ماذا يُستبدل به الاستبداد هو: إنَّ معرفة الغاية شرطٌ طبيعي للإقدام على كلِّ عمل، كما أنَّ معرفة الغاية لا تفيد شيئاً إذا جهل الطريق الموصل إليها، والمعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقاً، بل لا بدَّ من تعيين المطلب والخطة تعييناً واضحاً موافقاً لرأيِّ الكلِّ، أو الأكثرية".

يحاول المستبد بكل طاقته أن يعدم البديل، وهذا من جملة تزييف المستبدّين مسألة التغيير

وإبهام الغاية وافتقاد السبيل وعدم تعيين المصالح في البديل تؤدّي إلى وقوع الخلاف في أثناء الطريق، فيؤدي ذلك إلى فساد العمل جملة، وانقلابه إلى حالةٍ من صناعة الفرقة والفتنة والفوضى. ويعبر الكواكبي عن ضرورة الحالة الاتصالية القادرة على حمل الغاية تعيينا وتوضيحا للكافة، بحيث تكون شائعة في الوعي الجمعي عند عموم الناس. ويكون طلب هذه الغاية من عند أنفسهم بوعي كامل لا يمكن أن تحيد عنها. "ثمَّ إذا كانت الغاية مبهمة، ولم يكن السير في سبيلٍ معروف، ويوشك أن يقع الخلاف في أثناء الطريق، فيفسد العمل أيضاً وينقلب إلى انتقام وفتن. ولذلك، يجب تعيين الغاية بصراحة وإخلاص وإشهارها بين الكافّة، والسعي في إقناعهم والاستحصال على رضائهم بها ما أمكن ذلك".

وجوهر مسألة البديل إنما يكون في المشروع السياسي المقرّر لشكل النظام السياسي، وشكل الحكومة التي يراد أن تكون بديلا للحالة الاستبداية. وهذا ليس بالأمر اليسير، ولكنه أمر يحتاج إلى تدبير وترتيب للمدافعة والمقاومة والمغالبة. هذا الاستعداد الفكري النظري لا يمكن بحال أن يظل دولةً بين النخب والخواص. ولكن من المهم أن يشكل ذلك رأيا عاما واعيا وراشدا، لا بد من تعميمه، ليمثل حالة من القبول العام القابل للتطبيق والإمكان؛ "والمراد أنَّ من الضروري تقرير شكل الحكومة التي يراد ويمكن أنْ يُستبدل بها الاستبداد. وليس هذا بالأمر الهيّن الذي تكفيه فكرة ساعات، أو فطنة آحاد، وليس هو بأسهل من ترتيب المقاومة والمغالبة. وهذا الاستعداد الفكري النظري لا يجوز أنْ يكون مقصوراً على الخواص، بل لا بدَّ من تعميمه، وعلى حساب الإمكان، ليكون بعيداً عن الغايات، ومعضوداً بقبول الرأي العام".

الطغاة يمهدون الطريق للغزاة، فيستولون على البلاد والعباد بطرائق مختلفة

وكذلك فإن من شروط بناء ذلك البديل ما ذكره الكواكبي آنفا، من ضرورة تنبيه حس الأمة في وعي جمعي بسوءات الاستبداد وأضراره، وآلام الاستبداد وآثاره، بحيث يشكّل ذلك طلبا للتغيير ضمن سياسة مناسبة تعم كل الطبقات، بحيث تظل هذه المعركة مع تلك البنية الاستبدادية، ومع الوعي العام بخطورتها، والضرر العام الذي تلحقه بالأمة هو من الأمور التي تتطلّب نفسا طويلا ومعارك كبيرة، حتى يصل ذلك إلى عدة عقود، بحيث تترسّخ فكرة الطلب على التغيير ونوال الحرية، فيؤدي ذلك إلى شيوع ذلك في الأمة، وفي عموم طبقاتها؛ كذلك من الشروط المهمة في هذا المقام التي يرصدها الكواكبي أن استعجال جني الثمار في مثل هذه الحالة، وفي مقاومة الاستبداد، من غير ترسيخ بيئة الوعي والسعي إلى اقتلاع الاستبداد من جذوره قد يؤدّي، مع مدافعة المستبد، استعجالا من غير إعداد، إلى أن يشعر المستبد بالخطر، فيتخذ ذلك ذريعة لسياسات مضادّة تتسم بالحذر والتنكيل بكل هؤلاء الذين يقفون في مواجهته ومقاومته، وكأنه يشير إلى أن الاستبداد يفتح الباب لمطامع من خارج من غزاة مستعمرين، فإن الطغاة يمهدون الطريق للغزاة، فيستولون على البلاد والعباد بطرائق مختلفة.

عقلاء الأمة يمكنهم أن يحرّكوا مطالب الناس في التغيير، بل والقيام بالضغط على المستبد لترك أصول الاستبداد وإتباع القانون الأساسي الذي ترغبه الأمة، وتؤسس له

أما الأمة حينما تصل إلى أقصى درجات وعيها، وتتأهل استعدادا وتمكينا للقيام بحكم نفسها، فإن عقلاء الأمة يمكنهم أن يحرّكوا مطالب الناس في التغيير، بل والقيام بالضغط على المستبد لترك أصول الاستبداد وإتباع القانون الأساسي الذي ترغبه الأمة، وتؤسّس له. ولا يسع المستبد في هذا الحال إلا أن يرضخ للاستجابة طوعا. أما إذا أصر المستبد على استخدام القوة؛ فإن ذلك مع الإعداد المكين يشكل إرهاصا لزوال دولة المستبد؛ لشيوع معنى المسؤولية والوعي العام في الأمة وتكويناتها، فلا يطمع فيهم طامع ولا يغلبون من قلة. وهذه المهمة من المهات الصعاب التي ربما تجعل بعضهم يصاب باليأس والقنوط، فمن المهم ألا تتسرّب تلك الحال، بل أن يحل محلها هذا الشعور بوعي يستند إلى الهمة في التغيير المحسوب بالإعداد المطلوب. ومن عدل الله سبحانه وتعالى أن يجعل المسؤولية الجماعية للأمة هي مناط أن تُحسن أمةٌ سياسة نفسها أو تقبل الذل والاستعباد لغيرها، فإن الأمم متى بلغت رشدها عرفت للحرية قدرها، واسترجعت عزها، وهذا عدل الله وسنته في الأمم والتغيير. ويختتم الكواكبي هذا المبحث المهم بخاتمةٍ بشرى بسواد العدل ضمن حياة طيبة في إطار استقلال الإنسان المستند إلى تكريمه، ونظام قيم فاعل يستلهم فيه الإنسان كل أوامر الرحمن في صميم الوجدان، طلبا للحرية وإعدادا للتغيير.

يتضح من هذا كله ما يمكن التأكيد عليه من أن استراتيجية ما يستبدل به الاستبداد لدى الكواكبي ليس بالمسألة اليسيرة، ولكنها أيضا ليست بالمسألة المستحيلة، ما دام الأمر يتعلق بالإعداد للبديل في سياق التمكين، ودفع كل رؤية لتزييف النظر للبديل، فيما يتبناه طغاة مستبدّون كثيرون.