البحث عن داود عبد السيّد
حالة خاصّة وفريدة جدّاً من مخرجي السينما في مصر، حالة خاصّة في عدم الظهور الإعلامي المتكرّر، حالة خاصّة في القبض على جمرة الفنّ بصمت بعيداً من ذلك الهوس الإعلامي الشائع كلّه، كحالة راهبٍ قنوع بمحبّةٍ بما في يده من بركة، حتى إن لم تتحقّق على الأرض.
لا يجري داود وراء شيء، بل هو من يُجرى وراءه لقبول جائزة أو مهرجان أو ندوة، وغالباً لا يحضر أو يعتذر بأدب، ليس تكبّراً، بل زهداً وفطنةً، داود حالة سينمائية لم تدرّس على المستوى الشخصي بالشكل الكامل، وما هي أسباب تجرّده وزهده؟ كيف أتته حالة الامتلاء تلك، رغم الدفع له بين يديه بجائزة ساويرس بالجونة تكريماً خاصّاً، وجائزة النيل أيضاً في 2022، وكان الرجل فطناً في الحالتَين، فقبلهما راضياً أو مرغماً، ولا يهم تحليل ذلك الآن، خصوصاً أن مئاتٍ من المواقف سبحتْ في النهر، وجديد ذلك حالة الممثّل محيي إسماعيل، الذي ذكر أنه يريد الفلوس لا الدروع. كان داود حكيماً أكثر من محيي إسماعيل بكثير، فلم يحرج إدارة الجوائز ولا تطاول على فقر الدولة ولا دروعها المجّانية الخالية من الزبدة والبركة، ولا حتى مشى في سكّة صنع الله إبراهيم شفاه الله وعافاه، فقبِل الجائزة اتّفاقاً ورفضها في العلن، فاضحاً النظام في أوقات ضعفه، فقبول داود الجائزتَين صمتاً كان خاتمة لرجل راهب في الفنّ، يدفعه ذلك الحزن الشفيف وراء كلّ مصائر شخصياته واختياراته في أفلامه التي صنع مادّتها بنفسه، أو من تأليفه، حتى إن كانت في الأصل من روايات غيره، كما في فيلمه "الكيت كات"، عن رواية إبراهيم أصلان "مالك الحزين"، أو فيلمه "سارق الفرح" عن قصّة للكاتب الراحل خيري شلبي، أو سيناريو "أرض الأحلام" لهاني فوزي.
ظلّ داود عبد السيّد صاحب ذلك الحزن الشفيف، لا ذلك الذي يجري وراء الحكايات المثيرة أو المدهشة، هو الذي قلب صناعة السينما رأساً على عقب، فمن "مالك الحزين" أخذ خيطاً وحيداً، ذلك الكفيف خفيف الظلّ بلا "أفّيهات" أو زغزغة للإضحاك، بل من خلال جسارة قلبه وسعيه البسيط للحياة والصحبة من دون دراما زاعقة، ولم ينسَ خيطه الأساس، وهو ذلك الحزن الشفيف الكامن وراء المصائر والاختيارات والضحك الهادئ من دون أن يجعل هذا الضحك مادّة معلنةً ومتغلّبةً كعادة صنّاع الكوميديا خلال عقودها، ولكنّ الضحك كان هامشاً خفيفاً وحزيناً وراء بحث تلك الشخصيات الحقيقية عن سعاداتها البسيطة مع أصحابها في دكّان بسيط، أو من خلال الصيد ومتعة الصحبة مع كفيف آخر عند البحر، أو من خلال انهيار البيت القديم وتدهور الوضع المالي لذاك الكفيف، حزن ما هادئ يمشي ظلّاً خفيفاً وراء كلّ شخصياته. حتى في فيلمه "أرض الأحلام" أيضاً، المكتوب خصّيصاً على مقاس فاتن حمامة، بعدما جعلها لثغاء، وتقع في حبّ الساحر "رؤوف"، محبّاً للحياة أكثر من حبّها هي لأميركا وجواز سفرها والسفر إليها، وكأن داود كان يتنبّأ مُقدَّماً بتعاسة ذلك السعي إلى هناك، من دون صخب كثير وكلام سياسي مكرور ومألوف، وكاذب أيضاً.
قلب داود رأساً على عقب قاعدة الإضحاك في السينما، ولم يجعلها من "الإفّيه"، بل من لحم الشخصية، حتى وإن كانت من أداء كفيف محبّ للحياة من دون أن يكون "سوبرمان" كفيفاً، أو مهزلة يومية تجلب الضحك المصنوع ليل نهار، ولكنّه مسك ذلك الحزن الشفيف لكفيفٍ باحثٍ عن لذائذه البسيطة من خلال فطنته وحسّه الشعبي البسيط ورؤيته الخاصّة للعيش في حيّ شعبي بسيط، وكلّ أمله الصحبة والفرفشة في وحدة الليل بجوار النيل لسماع النكتة، أو الغناء، أو دبيب أوائل خيوط الفجر والناس، وبداية لمّة الكائنات صباحاً بجوار قدر فول مدمّس للعم مجاهد (الصامت الحكيم).
داود مصري في مجمل أفلامه ببساطة باستثناء "البحث عن سيّد مرزوق"، الذي في ظنّي هو داود الفنّان المرتبك، والباحث عن ذاته، والرائي أيضاً، فهل كان من أحزان المصادفات أيضاً أن يصمت داود نفسه، بل أن يظلّ هناك كذلك الباحث عن نفسه منذ 2015 من دون عمل، ما جعله يعتزل الصناعة والإخراج في يناير/ كانون الثاني سنة 2022، ما جعل جائزة النيل تعدّ خصّيصاً له في يونيو/ حزيران من العام نفسه، وكأنّ الجائزة بعد جائزة الجونة كانتا بمثابة حسن الصمت والأدب ونهاية الخدمة الجميلة في السينما، بعد قراره بأنه لم يعد قادراً على خدمة فنّه في ظلّ هذه الشروط المحيطة بالصناعة، واكتفى الرجل بذلك، وظلّ هناك هادئاً بعيداً، حتى عن أيّ تصريح سياسي من هنا أو هناك.
وهكذا يفهم صمت الفنّان في بلادنا بمكافأة نهاية الخدمة وشهادة حسن السيرة والسلوك، وإن أراد أن يكتب مذكّراته، فله كامل الحرية والمطابع في انتظار ما تخطّه يده... في أدب أيضاً.