البحث عن الانقسام في ليبيا

12 ديسمبر 2025
+ الخط -

ليس الشاب العشريني، أحمد، وحدَه تقيم عائلتُه في بنغازي، فيما يعيش في طرابلس يدرُس الهندسة في الجامعة، ويتنقّل بالطائرة من وقت إلى آخر بين المدينتين، مركز الجنوب وعاصمة "دولة ليبيا" الحالية وسابقتها "الجماهيرية العظمى"، طرابلس التي يلحظ زائرُها، كما صاحبُ هذه الكلمات، في ميادينها وشوارعها، مظاهر أمنية زائدة بعض الشيء. ويلحَظ، قبل هذا وغيره، فائضاً من الوداعة فيها، ولا يتسلّل إليه ما يخدِش شعورَه بالراحة والطمأنينة، بل والغبطة أيضاً بالشباب المثقّف والممتلئ حيويةً وطاقة، واندفاعاً في العمل وامتلاك المعرفة الحديثة. أما البشاشة فهي الصفة الأكثر وضوحاً في من تلقاهم وتحدّثهم (في أي شأن)، وتدردش معهم في أوضاع بلدهم، وفي الانقسام السياسي الذي لا يكاد يصل إلينا سواه، في مطابخ عملنا في الصحافة، من أخبارٍ من ليبيا، الانقسام بين "سلطة الأمر الواقع" في بنغازي، على ما يحدُث أن تسمّيها الأمم المتحدة، وسلطة حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في طرابلس. لا تسمع من أحدٍ سوى التبرّم من هذا الحال، والقناعة، غالباً، بأن معجزةً كبرى وحدَها تنهي هذا الانقسام السياسي والجغرافي والقبلي، وبأن الأمم المتحدة، وبعثُتها نشطةٌ في عموم البلاد، لا تملّ من طبخ الحصى، وهي تنظّم جولات حوارٍ لا تنتهي. والظاهر أن الليبيين صاروا يتعاملون بنوعٍ من التسليم بهذا الانشطار بين شرق (بنغازي) وغرب (طرابلس)، فيما قوّةٌ اجتماعيةٌ وسياسيةٌ وقبليةٌ ثقيلةٌ في الوسط، لها أوزانها في التأثير العام على أي انعطافاتٍ أو حوادث أو صدامات في البلاد. غير أنهم، في الوقت نفسه، يزاولون التنقّل في بلدهم الكبير، مدنه وبواديه ونواحيه، ويقيمون أينما شاءوا، ولا يروْن أنفسَهم غريبين أو مغتربين إن كانوا من شرق البلاد ويقيمون ويعملون ويدرُسون في غربها، والعكس صحيح.

كما في كل بلد، أولويات الناس عيشهم وتأمين أرزاقهم بكرامة. وكما في بلادٍ عربيةٍ بلا عدد، الضغوط الاقتصادية اليومية شأن مركزي في تداول المواطنين النقاش العام، وهي المؤشّر الأول لرضاهم أو عدمه أو ندرته عن الحكومات وأدائها. وتلمَسُ، هنا في طرابلس، حيث تنكتب هذه السطور، أن مستوى الرضا عن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة جيّدٌ نسبيّاً، غير أنه يتناقص، بفعل التآكل الحادث في قيمة الدينار الليبي أمام الدولار، والغلاء الذي يتسارع نسبياً. ولمّا كانت ليبيا دولة نفظية، وقليلة السكان (أقل من ثمانية ملايين) في مساحة 1,8 مليون كيلو متر مربع، وذات موارد نفطية ومعدنية كبرى، إلا أنك تجد نفسك تسأل عن السبب الذي يجعل عاصمة البلاد بلا مظاهر رخاء ظاهر، وتبدو في العموم كما لو أنها عاصمة بلد قليل الحظوظ، فيما ليبيا ليست كذلك. مدينة شاطئيّة، أليفة، ليست على فقرٍ أو نقصانٍ في الخدمات أو سوءٍ في التنظيم العام، لكن إيقاعها العام ليس خاصّاً، ليس فيه ما يُبهر أو يُحدِث انطباعاً استثنائياً، وإنْ بالطبع تأخذُك بهجة اكتشافها، في زيارةٍ أولى، إلى محبّتها، والشعور بدفءٍ فيها لن يُنسى، وتنجذب إلى التجوّل في قديمها وجديدها، مصحوباً برفقةٍ رائعةٍ من الأصدقاء والزملاء، فتتعرّف إلى معالمها.

ليس من إجابةٍ غير أنه الاستبداد القذافي إياه، وتبذيره مقدّرات البلاد في غير ما يلزمها من تطوير وتنمية وتحديثٍ وتمدين. ولقد ورثت ليبيا تركةً ثقيلةً من المشكلات والمتاعب والأزمات العامة، بعد أن تخلّصت من ذلك الرجل وعائلته وحاشيته. لكن النخبة الليبية التي تولّت مقادير البلاد، وانقادت لها السلطة بتنويعاتها، أخفقت في التوافق على مشروعٍ وطنيٍّ جامع، وعلى خريطة طريقٍ موحّدة في مسار التنمية والإنعاش والإنقاذ العام. وهذا الانقسام الحادث، والذي احتكمت أطرافٌ معلومةٌ فيه إلى السلاح والاقتتال الأهلي، بل وإلى جرائم حرب أحياناً، شاهدٌ دالٌّ على فشلٍ ثقيل، وعلى خيبة المواطن الليبي الواسعة من هذه النخب التي توزّعت ولاءاتها السياسية (يحدُث أن يبدّلها بعضُهم بحسب التموقعات والإغراءات)، في نزوعات قبليةٍ وشخصانية، وحضرت تدخّلاتٌ إقليميةٌ ودوليةٌ واسعة. وفي الأثناء، يتبدّى الحال على النحو الذائع، انقساماً بلا أفقٍ منظورٍ باتجاه إنهائه، فيما تفتّش عن شيءٍ من مظاهره بين الليبيين في طرابلس فلا تُصادف شيئاً منه، أو ربما ليست فيك رغبةٌ في أن تراه.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.