الباب الأوروبي الواسع

الباب الأوروبي الواسع

05 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

لم تفشل إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، في إقناع القوى الرئيسية في الاتحاد الأوروبي (فرنسا وألمانيا خصوصا) بالانضمام لتحالف دولي واسع يواجه الصين، وحسب، تنفيذاً للتوجه الأميركي الذي يعتبر صعود القوة الصينية خطراً داهماً تجب مواجهته استراتيجياً، بل إن إدارة بايدن أثارت حفيظة فرنسا وغضبها العارم، وربما يكون ذلك نقطة تحوّل درامية في عملية إعادة بناء خريطة التحالفات الدولية الجارية على قدم وساق منذ مطلع العام.
غضبت فرنسا، لأن الولايات المتحدة أقنعت أستراليا بإلغاء صفقةٍ كانت قد أبرمتها لابتياع غواصات فرنسية، مقابل شراء الحكومة الأسترالية غواصاتٍ من الولايات المتحدة، في إطار ما يبدو أنه تعبير عن انضمام أستراليا للتحالف الأميركي الدولي ضد الصين الذي يُعبّر عنه حالياً باتفاق أمني ثلاثي، يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا. وإذا كان الأمر يُغضب الصين، ويُغضب فرنسا وحلفاءها الأوروبيين، فإن القلق الصيني من النوايا الأميركية يمكن التحلل منه عبر البوابة الأوروبية الواسعة، ليس بإبرام تحالف استراتيجي بين الصين وفرنسا، فهذا غير ممكن موضوعياً، ولكن على الأقل عبر تحقيق اختراق صيني للتحالف الغربي المتخيّل (الأميركي الأوروبي)، أو على أقل تقدير عبر نجاح الصين في تجنّب انضمام أوروبا إلى إدارة بايدن في حربها المتوقعة ضد الصين، ووقوفها على الحياد في شأن مواجهة الصعود الصيني.

لا يزال التقارب بين الصين والاتحاد الأوروبي يراوح مكانه بسبب تردّد الأوروبيين، وضغوط الولايات المتحدة

على أن البوابة الأوروبية لم تُفتح في وجه الصين الآن فقط. ثمّة تقارب بين الصين والاتحاد الأوروبي الذي تقوده فرنسا وألمانيا منذ مدة، لكنه لا يزال يراوح مكانه، بسبب تردّد الأوروبيين، وضغوط الولايات المتحدة على برلين وباريس، خصوصاً منذ تولي بايدن سلطاته الرئاسية.
انعقد، في أواخر العام الماضي (2020)، اجتماع هام بين الرئيس الصيني، شي جين بينغ، والمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، ورئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عبر تقنية الفيديو، انتهى إلى توقيع اتفاقية المؤشرات الجغرافية بين الصين والاتحاد الأوروبي، والتي نصّت على التزام الجانبين بالقواعد الدولية أساسا للعلاقات التجارية، عبر حماية مائة مؤشّر جغرافي أوروبي في الصين ومائة مؤشّر جغرافي صيني في الاتحاد الأوروبي ضد الاستحواذ غير المشروع والتقليد، وتعريف المستهلكين بمنتجات مضمونة وعالية الجودة من كلا الجانبين. في الشهور اللاحقة، جرى تجميد تنفيذ هذه الاتفاقية بسبب ضغوط واشنطن على الاتحاد الأوروبي ضمن مساعيها لعزل الصين دولياً.
وعلى الرغم من أن المفاوضات بشأن تلك الاتفاقية كان قد شرع بها الجانبان منذ بضع سنوات، إلا أنه لم يكن ممكناً تحييد الصراع الأميركي الصيني في عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، على ساحتي التجارة الدولية وتكنولوجيا الإنترنت، كأحد أهم دوافع التقارب الصيني الأوروبي. فكيف الآن بعد ما فعلته الولايات المتحدة بحكومة الرئيس ماكرون، الذي قرّر استدعاء سفيري بلاده إلى واشنطن وكانبيرا، للمرة الأولى في تاريخ علاقات البلدان الثلاثة، عقب إلغاء صفقة الغواصات مع أستراليا التي قدّرت قيمتها بـ 56 مليار يورو؟

باتت الصين تركز استثماراتها بشكل واضح في أوروبا منذ وقوع الأزمة المالية العالمية عام 2008

قال الرئيس الصيني، شي جين بينغ، للأوروبيين، العام الماضي، إن "البشرية تقف عند مفترق طرق جديد، وإن من المهم بالنسبة للصين والاتحاد الأوروبي، باعتبارهما قوتين وسوقين وحضارتين رئيسيتين، أن يعزّزا التنمية السليمة والشراكة الاستراتيجية الشاملة، من أجل تحقيق التعافي الاقتصادي ودعم العدالة العالمية". وهذا يؤكد سعي الصين إلى تذكير أوروبا بمصالحها الاستراتيجية معها، والنأي بعلاقاتها معها عن القضايا السياسية الشائكة، بما في ذلك الخلاف مع واشنطن، حيث الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول للصين، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بينهما عام 2018 نحو 682 مليار دولار، لكن كفّة الميزان التجاري تميل لصالح الصين بنحو مائتي مليار دولار سنوياً. كما أن الصين باتت تركز استثماراتها بشكل واضح في أوروبا خلال السنوات العشر الأخيرة، بل منذ وقوع الأزمة المالية العالمية عام 2008، من خلال الاستثمار في الموانئ والصناعات التكنولوجية وصناعات النقل، وترمي نظرها إليها عبر مبادرة الطريق والحزام ومشروعاتها المتعلقة بالبنى التحتية وشبكات النقل. ولكن نيات التقارب الأوروبي الصيني التي ظهرت مؤشّراتها بقوة، عشية سقوط إدارة ترامب أواخر العام الماضي، جعلت أوروبا ساحة للصراع الأميركي الصيني، فالولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى تقويض نفوذ الصين التجاري في دول الاتحاد الأوروبي، والحدّ من فرص إبرامها اتفاقيات تتعلق بتكنولوجيا الإنترنت، وفي مقدمها بناء تكنولوجيا الجيل الخامس. وبالقدر الذي ينجح به أحد الطرفين، الأميركي والصيني، في كسب ود الاتحاد الأوروبي، يكون قد نجح عملياً في حربه مع الطرف الآخر.

عزوف أوروبا عن الانضمام للتحالف الأميركي ضد الصين بات أمراً واقعاً

هكذا، وبينما تبدو دول الاتحاد الأوروبي المستفيد الأكبر من النزاع التجاري الأميركي الصيني، إذ بفضله ارتفع حجم الصادرات الأوروبية إلى السوق الأميركية منذ 2018 بنسبة تتجاوز 12% سنوياً (نحو 90 ملياراً خلال النصف الأول من عام 2019 بدلاً من نحو 80 ملياراً في الفترة نفسها من العام الذي سبقه)، لتحلّ محل صادرات صينية، فإن الصين تدرك أن نجاحها في أوروبا هو البوابة لاستمرار صعودها الاقتصادي، والمضي في خطتها المعلنة لتسيّد الاقتصاد العالمي في الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 2049، إذ بالنظر إلى سعي الولايات المتحدة إلى خفض حصة الصين في أسواقها، فإن بكين تنظر باهتمام إلى القوة الشرائية المرتفعة التي يتمتع بها المواطن في دول الاتحاد الأوروبي، وتعتبر أن بقاء السوق الأوروبية مفتوحةً في وجه صادراتها سيخفّف من نتائج الإجراءات الأميركية المتعلقة بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية بشكل مطّرد. وما يمكن قوله إن استجابة أوروبا للمساعي التجارية الصينية تبدو مرجّحة، وعزوف أوروبا عن الانضمام للتحالف الأميركي ضد الصين بات أمراً واقعاً.