"البؤساء" .. دائماً وأبداً

24 نوفمبر 2020
الصورة

عرض فيلم البؤساء في موقف للسيارات في عمّان ومشاهدوه في سياراتهم (23/8/202/فرانس برس)

+ الخط -

لا بدّ لمشاهد فيلم "البؤساء" (2020) الذي يستعير عنوان رواية فيكتور هوغو الشهيرة، وشكّل عرضه في الصالات الفرنسية حدثاً فنّياً واجتماعياً وسياسياً أثار نقاشات وتصريحات عديدة، أن يُرى إليه اليوم، بطريقة مختلفة، بعد وقوع الأحداث المأساوية أخيرا في فرنسا (ذبح أستاذ التاريخ بسبب عرضه في صفّه "الرسوم المسيئة إلى الإسلام" كما درجت تسميتها، ومقتلة نيس التي جرت داخل الكنيسة وأدّت إلى وفاة سيدتين ورجل على يد متطرّف تونسي إسلامي)، فالفيلم الذي يروي قصةً بسيطة تصوّر الجولة اليومية الاعتيادية التي يقوم بها فريق شرطة محلية (كريس وستيفان وغوادا) في أحياء ضاحية فرنسية، هي مونتفرماي، يتكشّف عن وجود وضع حسّاس ومعقّد بطبقات، "قابل للاشتعال" في أية لحظة.
لقد نال هذا الفيلم ذو المنحى التسجيلي، لمخرجه الفرنسي من أصل أفريقي، لادج لي، عدة جوائز، فرنسية (النقاد في مهرجان كان، سيزار أفضل فيلم،.. إلخ)، وأوروبية (السينما الأوروبية 2019، غويا لأفضل فيلم أوروبي 2020، إلخ)، مع ترشيحه لأفضل المهرجانات العالمية (أوسكار، غولدن غلوب،.. إلخ)، لجودته الفنية، وتقنيته العالية، وزوايا تصويره المختلفة، وحرفية ممثّليه وصدق أدائهم. إلا أن ما ميّزه حتمًا براعته في تصوير واقع الضواحي الفرنسية المعقّد، المركّب، الذي ينطبق على كل أحزمة البؤس في العالم، حيث تتضافر عواملُ إثنية ودينية واجتماعية لتحوّل تلك المناطق إلى غيتوهات من حجارةٍ وبؤسٍ وعطالة. في فرنسا، هي مجمّعات سكنية عملاقة، بعيدة عن المركز، قبيحة وباردة وخالية من كل ما يوحي بالترحاب وهناءة العيش، ملأى بأعدادٍ هائلةٍ من مراهقين يدورون على أنفسهم، تماما كما تدور أشبال صغيرة داخل أقفاص ضيقة مغلقة. لقد بُنيت تلك الضواحي لإبعاد المهاجرين والفرنسيين الفقراء إليها، فتمّ الإغلاق عليهم إنسانياً واجتماعياً ومادياً، في حين سُوّروا بالعنصرية والتمييز الطبقي والمهانة، واتُّهموا بالعنف والانحراف وميلٍ طبيعي إلى ارتكاب الجرائم والجنح.
يبدأ الفيلم بحدثٍ رمزي، هو فوز الفريق الفرنسي لكرة القدم في بطولة العالم عام 2018، وحالة الفوران الشعبي، الوجداني والعاطفي، التي خلّفها عندما تجمّع الفرنسيون من كل الأطياف، محتفلين في جادة الشانزليزيه، مع إحساسٍ مستجدّ بالأخوّة، ومن بينهم المراهق الأسود عيسى، بشعره الذهبي. ننتقل بعد ذلك إلى مخفر "مونتفرماي"، حيث ينضمّ الشرطي ستيفان، القادم حديثا، إلى الفريق المكوّن من كريس، اليميني المتنمّر، وغوادا، الأفريقي الفاسد، ليبدأ الثلاثة جولتهم اليومية في الأحياء، حيث سنتعرّف إلى "زعامات" الجماعات المختلفة المؤثّرة، من عرب وأفارقة.
يتدخل فريق الشرطة المحلية لوقف مشكلٍ وقع بين السكّان والغجر الذين يهدّدونهم بالأسوأ، وقد رأوا ولدا أفريقيا يسرق شبلا من السيرك الخاص بهم. يعد الشرطي كريس بإعادته، افتكاكا للمشكل. عيسى هو السارق، كما يظهر من صفحته الافتراضية، فتتم ملاحقته إلى أن يُقبض عليه. يقول عيسى إن الشبل هرب منه، وما هي إلا دقائق حتى يهاجم رفاقُه الشرطة، مسهّلين هروبه. يفرّ عيسى راكضا، فتتبعه الشرطة، وما أن يُقبض عليه من جديد، حتى يبدأ رفاقُه برشق الحجارة وما يقع تحت أيديهم. يتخبّط عيسى محاولاً الإفلات مجدّدا، فيطلق عليه غوادا من سلاح الردع ما ينفلش في وجهه ويرديه مغميّا عليه. يهرب الأولاد، لكن كريس الذي لاحظ وجود كاميرا مسيّرة طائرة قد صوّرت كل شيء، يقرّر عدم اصطحاب عيسى المدمّى إلى الطبيب، قبل محو هذا الدليل. بعد إيجاد شريحة التصوير، وإعادة الشبل إلى أصحابه، يفلت كريس عيسى أمام بيته، ويهدّده بعدم الكلام.
في اليوم التالي، يُساق فريقُ الشرطة إلى فخّ نصبه الأولاد لهم، ثم يحاصَرون في بنايةٍ من عدد هائل من مراهقين يهاجمونهم بشتى الوسائل. وفي المشهد الأخير، نرى عيسى والشرطي ستيفان متواجهين، الأول في أعلى الدرج والثاني في أسفله، عيسى متردّدا في رمي القنبلة اليدوية المشتعلة، وستيفان في إطلاق النار عليه من مسدسه.. وعلى الشاشة، نقرأ:
احفظوا هذا يا أصدقائي 
لا توجد أعشابٌ سيئة
ولا أناس سيئون 
هناك فقط حرّاث سيئون.
(فيكتور هوغو، البؤساء).