الانقلاب والأوهام الثلاثة في تونس

الانقلاب والأوهام الثلاثة في تونس

09 مايو 2022
+ الخط -

للانقلاب الذي كاد، في الأشهر التسعة من عمره، أن يأتي على تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، جبال من السيئات لم تحطم آمال أجيالٍ ناضلت "من أجل هذه اللحظة التاريخية" فحسب، بل شوهت ثقافة سياسية بأكملها. ستظل آثار هذا الانقلاب تلاحق أجيالاً كاملة، كيف لا والأطفال والفتيان يُمسّون ويصبحون على رئيسٍ يخوّن آباءهم وأقاربهم وجيرانهم ممن عارضوه. يقسم على احترام الدستور ثم يلغيه بجرّة قلم، علاوة على استهتاره بكلّ الأعراف السياسية التي استقرّت في ذهنيات النخب ووجدانها. تجرأ قيس سعيّد على ما لم يفعله الرئيس بورقيبة، الزعيم الذي ساهم في التخلص من الاستعمار، وبنى، مع نخبته، الدولة الوطنية، لم يصدُر عنه خطاب يرذّل خصومه إلى هذه الدرجة، وظلّ قاموسه متعفّفاً نسبياً، ولم يحل مجلس النواب رغم تفرّده بالسلطة. أما بن علي، فقد كان مستبدّاً صامتاً قليل الكلام، على خلاف سعيّد الذي يلقي في الأسبوع الواحد حمماً من العنف اللفظي والرمزي على خصومه، حتى غدت الشتيمة خطابه الأوحد.

مع ذلك، لهذا الانقلاب، مقابل جبال السيئات تلك، حفنة من محاسن لا يمكن أن تُقتنى بالذهب. على مكارهه، منح التونسيين فرصة ذهبية حتى يقفوا على أوهام تتجلّى بشكل سافر. أولها أنهم "شعب استثنائي". لقد تشكّل، خلال تجربة الانتقال الديمقراطي، نموذج هو مزيج من الإقرار بالتفرّد و"العبقرية التونسية". ما زلت أعتقد، على الرغم من كلّ ما حصل، أنّ ثمّة استثناءً تونسياً ما، غير أنّه لا علاقة له بـ"العبقرية التونسية" التي جعلتنا خير أمةٍ أخرجت للناس في تجارب الانتقال الديمقراطي. وعلينا بالأحرى الإقرار بخصوصية التجربة التونسية التي ما زالت قائمة، فها هو حتى الانقلاب "استثنائي". رئيس مدني ما زال يصارع خصومه ضمن مقاومة مدنية مهمة، رغم الشرخ المجتمعي الكبير الذي شجّ البلاد. على الرغم من كلّ السلطات التي استولى عليها، ما زال قيس سعيّد يلاقي مقاومة شرسة من طيفٍ واسعٍ من النخب. انتظمت تظاهراتٌ، بعد أسابيع قليلة من الانقلاب، وتشكّلت، أخيراً، جبهاتٌ متعدّدة، من أجل التصدّي لمشروع سعيّد الشعوبي الاستبدادي.

المجتمع المدني التونسي ليس سوى نسيج جمعياتي، يشكل أذرعاً شرسة للأحزاب، خصوصاً في حالة الاستقطابات الحادّة وما أكثرها

الوهم الثاني الذي زالت غشاوته، ريادية المجتمع المدني التونسي. كان الاستثناء التونسي المشار إليه يفسر بصلابة المجتمع المدني. ويعود بعضهم إلى تجربة التحديث التي عرفتها البلاد، حتى ما قبل الدولة الوطنية، حين تشكّلت، في بدايات القرن العشرين، جمعيات وأحزاب ونقابات دافعت عن فئات المهمشين، من عمال ونساء ومحتاجين. يستشهد بعضهم، لدعم هذه الأطروحة، بأن تونس شهدت ميلاد أول نقابة عمالية، في عشرينيات القرن الماضي، ثم أول رابطة تونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في العالمين العربي والأفريقي في السبعينيات، إلخ. لا شك في أنّ هذا المجتمع المدني قد أنقذ تونس من السقوط في أتون حربٍ أهلية، على إثر الاغتيالات التي عاشتها البلاد سنة 2013، حين جمع الفرقاء إلى حوار وطني استحقّ عليه جائزة نوبل السلام. وقد جعلت هذه المكاسب التونسيين يغترّون، ويعتقدون أنّ لهم مجتمعاً مدنياً متيناً، غير أن هذا لا يحجب حقيقة مرّة، أنّ هذا المجتمع المدني ليس سوى نسيج جمعياتي، يشكل أذرعاً شرسة للأحزاب، خصوصاً في حالة الاستقطابات الحادّة وما أكثرها، بل إنّه يعيد إنتاجها ويغذّيها باستمرار، كلما سكب الزيت على نار الخلافات، وكال بمكيالين في قضايا عديدة. لقد تنكّر، في حالات عديدة، لأهم مبادئه وخانها. ثمّة مجتمع مدني ساند الانقلاب، وتحول عصا في يد المستبدّ.

كان يفترض في النخب، والمثقفين تحديداً، أن ينحازوا إلى الديمقراطية والحرية، غير أنهم ساندوا الانقلاب تشفياً ونكاية في خصومهم

الوهم الثالث هو النخب المستنيرة التي ميزت المجتمع التونسي، المثقفون الذين عادة ما يفتخر بهم التونسيون، ويدّعون أنهم الرأسمال الوطني الذي أنفقت فيه الدولة مواردها الشحيحة أصلاً ورأسمالهم الاجتماعي. لقد بنت هذه النخب تونس الحديثة، وليس لهذه البلاد سوى من تخرّج من المدرسة عقلاً متنوراً ومنتجاً، غير أن هذه النخب لم تسلم من حالة الاستقطاب الحاد. كان يفترض في النخب، والمثقفين تحديداً، أن ينحازوا إلى الديمقراطية والحرية، غير أنهم ساندوا الانقلاب تشفياً ونكاية في خصومهم، أي حركة النهضة وعموم الإسلام السياسي. لقد ظلت النخب المثقفة تناوئ من حكموا خلال العشرية الماضية، مطالبين بمزيد من الحرية والعدالة والرخاء، غير أنهم ساندوا الانقلاب واستسلموا له، راضين بكلّ أشكال الإهانة التي تعرّض لها المثقفون ذاتهم. أمضى مثقفون عديدون من روّاد الحركة المسرحية والسينمائيين والفنانين والجامعيين بيانات تدعم الرئيس، وتدعوه إلى المضي في محاصرة خصومه، وإلغاء كل ما راكمته البلاد من مكاسب ديمقراطية.

لم يحدُث الارتداد عن تجربة الانتقال الديمقراطي لأنّ الشعبوي، قيس سعيّد، صعد إلى سدّة الرئاسة واستبد، بل لأنّ المجتمع المدني والنخب المثقفة خذلت هذا الانتقال، ولم تدافع عنه. هل عاشت البلاد خلال العشرية الماضية ديمقراطية بلا ديمقراطيين؟