الانتخابات المغربية رحلة في آلة الزمن

الانتخابات المغربية رحلة في آلة الزمن

04 سبتمبر 2021
الصورة

مغربي ينظر إلى رموز أحزاب متنافسة في الانتخابات في الرباط (26/8/2021/فرانس برس)

+ الخط -

انتشر السّياسيون في المغرب على الأرض بعد أن كانوا معلّقين في طبقات السّماء السّبع. انتشروا وما عاد في إمكانك التملّص من وجوههم، في الشارع، أو "فيسبوك"، أو التلفزيون.. حتّى أحلامك انتهكوها وصارت كوابيس مفزعة؛ فبينما أنت مستمتع بسفر منعش على بساط الأحلام، إلى إحدى مدن العالم الجميلة، في زمن عزّ فيه السّفر، يعترضُ أحدهم طريقك، شاهرا أوراقا ملوّنة، وعارضا عليك وجهه البئيس، الذي يذكّرك بكل ما يحدُث في البلاد، وكل ما لا يجب أن يكون فيها من البؤس السّياسي، والانحدار الحقوقي، وتراجع منسوب الشّجاعة حتى كاد يجفُّ، مدعيا النّقاء والصّفاء، ومتذللّا، هو الذي كانت نجوم السّماء أقرب منه سابقا. ولا يكاد يتركك تتنفس، يطاردك في الشّوارع البعيدة، ويلحق بك إلى بيتك، مصرّا على نزاهته وقدرته على تقديم ما لم يقدّمه بعد أربعين سنة أو أكثر من العمل السياسي.

لا يذكّرك وجهه إلا بالمستشفيات المكتظّة، والمفتقدة شروط احترام آدمية المواطنين، وبالمدارس التي لا تقدّم ما يُغني أو يُسمن من جوع التعليم، وغيرها من المرافق والخدمات التي لم تزدد إلّا بؤسا. لكن وجوه السياسيين لا تحمرّ خجلا، وتواصل الانتشار. والسرّ في ذلك موعد الانتخابات التي حان أوانها في المغرب. جالبة مظاهر ساخرة تُمثل المشهد السّياسي في تناقضاته المختلفة. هكذا انتشرت لوائح التّرشيح للانتخابات بشكل واسع، مثيرةً سخريةً كبيرةً بسبب المفارقات التي تحملها. عائلة كاملة مرشّحة في دائرة، شخصٌ عاطل من العمل يعد بتوفير فرص شغل، مرشّحات لا يضعن صورهن، مرشّح يعد بمكافحة "الخروج عن الدين"، مرشّحون يقدّمون أنفسهم بأسماء آبائهم (فلان ابن الحاج فلان الذي فعل كذا وكذا)، مرشّحات يبدو أن جمالهن كان السّبب الوحيد لوضعهن في اللّوائح الانتخابية، فنّانون لم نسمع لهم رأي التجأت إليهم معظم الأحزاب لتزيين لوائحها، إلى جانب شبابٍ كثيف، تم تكديسه في الصّفوف الخلفية بحيث لا ينُتظر تحقيقه لأيّ مقعد.. إنّهم طُعم الأصوات اليانعة التي قد تُقدم على التّصويت لهم.

وجوه السياسيين لا تحمرّ خجلا، وتواصل الانتشار

هذه فسيفساء الانتخابات المغربية التي تأتي في زمن سياسي يتّسم بالإحباط الشامل. وأهم ما يلُاحظه المرء النّشاط المهول لفعلٍ سياسي رديء، يُفترض أنّه ممنوع بحكم القانون، ومُسيء لصاحبه بحكم أخلاقيات العمل السياسي، وهو التّرحال السياسي من حزب إلى آخر قبيل الانتخابات، فاندلعت حمّى عجيبة في الموضوع، كأن الأمر يتعلق بحفلةٍ تنكّرية. وتم الهروب الكبير والإنزال الأكبر إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي تُراهن عليه الدولة بعدما راهنت سابقا على حزب الأصالة والمعاصرة، وهو الرهان الذي فشل. فماذا ستحمل هذه الانتخابات للمغرب؟ وما هي الاختلافات والانتظارات؟

الملاحظ أن حزب العدالة والتنمية يجد نفسه في أضعف حالاته، بسبب فشله في ملفاتٍ كثيرة، وقد يتراجع ترتيبه في نتائج الانتخابات، مثلما يتوقع كثيرون. لكنه أثبت حضوره من قبل، على الرغم من الحملة التي دعمت حزب الأصالة والمعاصرة في انتخابات 2016. وقد يُحقّق المفاجأة بفضل ولاء قاعدته، وضعف مُحفّزات التّصويت لباقي الأحزاب التي تفتقر إلى قاعدة جماهيرية ثابتة، أو بالأحرى عجز معادلة المال في تحفيز الناخبين على التّصويت.

سابقا، كان للأحزاب حرّاسها الذين يحملون بائعي أصواتهم مثل قطيعٍ من البهائم في شاحنات، ويحرصون على التزامهم بالتّصويت لهم. وهو الأمر الذي لم يعد ممكنا بعدما مُنعت هذه المظاهر الفاضحة للغشّ. وبقي ما تحت الطاولة، وما أكثر ما يحدث تحتها الآن. حتى أن وضعية المصابين بكورونا التي تصل إلى درجة كارثية في بعض المدن لم تعد تشغل أحدا، بل إنّها تستفحل بسبب عدم الالتزام بالضوابط القانونية التي تم النصّ عليها لتفادي مساهمة الحدث في تعميق الإصابات التي بلغت حدا غير مسبوقٍ في المغرب، إلى درجة أنّ المسؤولين يخشون الإعلان عن الأرقام الحقيقية للمصابين والمتوفّين، تفاديا لحالة رعب جماعية، أو بالأحرى لتفادي ضرورة القيام بإجراءات مشدّدة في الأنشطة المرافقة للحملات الانتخابية، قد تؤثر على نسب التّصويت الهزيلة في الأصل.

مرشّحون يقدّمون أنفسهم بأسماء آبائهم، مرشّحات يبدو أن جمالهن كان السّبب الوحيد لوضعهن في اللّوائح الانتخابية

الحزب الذي ينفق بلا حساب، بل بجنون إن صحّ التعبير، من أجل ضمان الصدارة، قديم جديد، لم يكن ذا حضور قوي في تاريخه، وهو فوق ذلك تابع للدولة بشكل ظاهري وباطني، ولم يحاول إخفاء ذلك، وهو حزب التجمع الوطني للأحرار. يطمح في ما لم يتحقق لأي "حزب إداري" سابقا، وهو الذي لا يملك أي شخصية كاريزمية، على الرغم من سعيه الحثيث إلى جلب كل من يمكن جلبه ممن يظنّهم يملكونها. فيما لا يكفّ عزيز أخنوش الذي يتم إعداده لمنصب رئيس الحكومة عن ارتكاب الأخطاء. ليس ذلك النّوع الأخرق من الأخطاء المثير للسّخرية الذي ارتكبه رئيس الحكومة السابق عبد الإله نكيران، أو الحالي سعد الدين العثماني، بل من النوع الذي يسيء إلى الذين يتوجّه إليهم، ويتعالى عليهم، فهو رجل أعمال اعتاد التعامل مع أنداده من أصحاب المال والأعمال، وحين يحاول الحديث إلى الناس خارج دائرته المغلقة، تخونه لغة اللسان وتعبيرات الجسد. ولا يجد منطقةً وسطى يرتاح فيها. ولغة مساعديه لغة عمّال مع ربّ عملهم، يسمها الخوف والشّعور بالتبعية والدونية. مع ذلك، يبدو أن السّلطة انتبهت إلى ضرورة دعم شخصية أكثر مراسا من شخص إلياس العماري، الذي ظهر ضعفه السّياسي عميقا ومدوّيا خلال الحملات الانتخابية، على الرغم من ميله إلى مهاجمة حزب العدالة والتنمية بشكل مباشر آنذاك، وهو ما يحاول أخنوش تجاوزه.

لعلّها ثقة نفس التّجار الذين يتركون الأبواب مواربة، وربما بسبب إدراك عدم جدوى الدّخول في معركةٍ علنية، وترك المجال للأقلام الصّحافية الموالية لمهاجمة "العدالة والتنمية" الذي أخطاؤه كبيرة وكثيرة، ولكنّه أقرب إلى صفة الحزب من غيره. خصوصا أن الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد نبيلة منيب، التي تحاول تقديم نفسها ممثلة للمعارضة الشاملة، والدّاعية إلى الملكية البرلمانية، تفشل في كل إطلالة لها في ترك انطباعٍ حسنٍ واحد. مع خطابها المتكلّف والشعبوي الذي جعل إطلالاتها الإعلامية لا تخلو من خطابات هجينة.

كلّ شيء ممكن في مغرب اليوم، من دون أن يعني ذلك أن هذا الممكن يتضمّن ديمقراطية حقيقية، أو حرّياتٍ أو حقوقاً

يبدو المستقبل ما بعد انتخابات 8 سبتمبر/ أيلول الجاري على شكل حكومة تشترك فيها أحزاب العدالة والتنمية، والتجمع الوطني للأحرار، وحتى الأصالة والمعاصرة، وهو احتمالٌ قائم. ويمكن أن تضم "العدالة" و"الأحرار"، مع بقاء "الأصالة" في المعارضة. وقد نشهد هبوطا حادّا في عدد مقاعد هذا الأخير، مع هروب معظم أطره (كوادره) إلى "الأحرار". وقد نشهد نزول "العدالة والتنمية" إلى المعارضة للعق جراح عشر سنين من رئاسة الحكومة، خسر فيها الحزب مصداقيته، ولم يعد يدور في فلكه سوى قاعدته الجماهرية التي يُدين بها لجمعياته، ولحركة الإصلاح والتوحيد التي يرى أعضاؤها التّصويت للحزب واجبا دينيا، لنصرة الإخوة والأخوات. كلّ شيء ممكن في مغرب اليوم، من دون أن يعني ذلك أن هذا الممكن يتضمّن ديمقراطية حقيقية، أو حرّياتٍ أو حقوقا، أو عدالةً اجتماعية أصبحت ضرورة مع اتساع الفوارق بين مغربٍ يزداد غنى وآخر يزداد فقرُه ويتعمّق. والأسوأ أن يفوز حزب إداري في الانتخابات، وهو الذي لا يملك سوى المال، والكثير منه، مع دعم الدولة. حينها نكون في المغرب قد وصلنا إلى الحضيض الديمقراطي، إذا لم نكن قد وصلنا إليه قبلا.

كأنّنا "لا مشينا ولا جينا"، وما زلنا نسافر في الزّمن إلى الماضي ونُكرّر مهازله، بدل أن نضغط على زرّ السفر المستقبلي، نحو ما وُعدنا به خلال عقود من النّضال السّياسي لشخصياتٍ منَحت حياتها وحريتها لأجل مغربٍ أفضل.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج