الانتخابات العربية .. الثمار مسمومة

الانتخابات العربية .. الثمار مسمومة

19 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

يستشعر المرء في أعطافه شيئاً من الحرج، ويداهمه قدرٌ غير قليلٍ من التردّد، وكثير من العزوف، حين يحاول السباحة ضد تيار نهرٍ جارف، أو عندما يُجهد نفسَه في الدفاع عن وجهة نظر خلافية، مثل إشكالية الانتخابات العامة في الحياة السياسية السائدة في بلدانٍ ذات أنظمة أوتوقراطية أو ثيوقراطية، تتوسّل صندوق الاقتراع لانتزاع حدٍّ أدنى من الشرعية والمقبولية، وللتمظهر أمام المجتمع الدولي أن هنا في هذه الفضاء كيانات تسير في ركب الدول الديمقراطية، وتشاركها المبادئ والقيم ذاتهما، فما بالك إذا كان المرء، وهو يخوض غمار هذه الإشكالية، ويهجس بها على أضيق نطاق، يحسب نفسه على الصف الوطني  الديمقراطي، ويناهض فكرياً وسياسياً كل أنظمة الحكم الشمولية؟
بدت فكرة أن الانتخابات في بلادنا العربية تفرز مشكلةً أكثر مما تقدّم حلاً تلحّ على الذهن، منذ نحو عقد وأزيد، عندما أخذت انتخابات برلمانية عديدة متفرّقة، هنا وهناك، تنتج مشكلات أعقد مما كان عليه الحال من قبل، بل تُضاعف من حدّة المعضلات، وتثير مزيداً من الخلافات بين القوى المنخرطة في مثل هذه اللعبة التنافسية التي تسمى في بلادنا "معركة" انتخابية، الأمر الذي أحدث تشوّهاتٍ إضافية، وفاقم الاختلالات التي أغلقت الدروب، الضيقة أساساً، أمام كل تطوّر ديمقراطي محتمل، على غرار ما  شهده مسار التطوّر الحثيث من أحكام وتقاليد تنظيمية مستقرّة لدى الديمقراطيات الغربية.
 والحق، إن أول مرّة تخلّقت لدى كاتب هذه الأسطر فكرة أن الانتخابات العامة في العالم العربي، المفتقر تاريخياً إلى ثقافة ديمقراطية، هي بمثابة شجرة تطرح ثماراً مسمومة، كانت قد تكونت في أعقاب ثاني انتخابات تشريعية فلسطينية عام 2006، عندما أدّت تلك "المعركة" التي فرضها الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الابن، على السلطة الوطنية فرضاً، خصوصا بعد أن أدّت تلك الانتخابات إلى مضاعفاتٍ سلبيةٍ واسعة، أفضت، بين مسائل أخرى، إلى إرساء حجر أساس انقسامٍ لا يزال قائماً، بفعل ما صنعته نلك الانتخابات من ادّعاءات ورهانات وأوهام حول الأحقية والشرعية والتمثيل وغيره.
لم تكن تلك الواقعة الانتخابية الهجينة كافيةً لتوسيع آفاق هذه المسألة المثيرة للجدل، وإثرائها بالنقاش المفتوح، كونها جرت في ظروفٍ ملتبسة، إلا أن تكرار هذه الواقعة الشاذّة، وتطابق ما ترتب عليها من نتائج مشابهة في غير بلد عربي واحد، بما في ذلك تعميق الأزمات واشتداد حدّة الاستقطابات الداخلية، أوجد ما يمكن اعتبارها ظاهرة سياسية، لها قوام مميز، وديناميات خاصة بالعالم العربي دون سواه، سواء في الدول ذات النظم الشمولية، أو البلدان ذات البنية المركزية الهشّة، حيث تنتشر المليشيات المذهبية، وتتغوّل القوى الأصولية التي ترى في الانتخابات وسيلةً للقفز إلى سدّة الحكم، وتعتقد أن الصناديق مثل أعواد الكبريت، لا تشتعل إلا مرّة واحدة.
ما حفّز المرء وشجّعه على طرح هذا الموضوع، في هذه الآونة المزدحمة بفيضٍ من التطورات الساخنة، ما جرى ولا يزال يجرى فصولاً في العراق، غداة الانتخابات أخيرا، والتي وضعت البلد على أعتاب فتنة جديدة، الأمر الذي يؤكد ما ذهب إليه العنوان أعلاه، أن شجرة الانتخابات، سيما في بلاد الرافدين، تطرح ثماراً مسمومة، وربما أكثر سُميّةً مما درجت على طرحه شجيراتٌ عربية من ذات الفصيلة، نظراً إلى شدّة سطوة المليشيات على ما تسمّى بالعملية السياسية، ولثقل قبضتها الأمنية الفظّة على مفاصل دولةٍ يديرها الحرس الثوري الإيراني من وراء ستارةٍ شفيفة، ويُملي على منظومة المحاصصة الفاسدة، من خلال ذراعه الطويل (الحشد الشعبي) على الجميع إرادة نظام الملالي الذي يعتبر العراق مجرّد حديقة خلفية.
وبتوسيع دائرة الرؤية أكثر، ومدّ النظر إلى مطارح عربية أخرى، من لبنان وسورية إلى اليمن وليبيا، حيث تتماثل العوامل وتتشابه النتائج، يتعزّز الاستخلاص القائل إن الانتخابات العربية باتت جزءاً من المشكلة وليست سبيلاً إلى الحل، حتى لا نقول إنها تؤجّج الجمرات المتّقدة تحت الرماد، ليس لأن الانتخابات وسيلةٌ غير ناجحةٍ لتداول السلطة سلمياً في بلاد الله الواسعة، وإنما لأن هذه الحلقة المهمة في السلسلة الديمقراطية المحكمة بالغة الهشاشة وشديدة الاختلال في بلادنا، فوق أنها تبدو نبْتاً شيطانياً من وجهة نظر أنظمة استبداديةٍ تُجري، هي الأخرى، انتخابات مزوّرة من الألف إلى الياء، على نحو ما جرى في سورية مراراً، وعلى غرار ما قد يحدث بعد أشهر معدودات، وقد لا يحدُث أبداً، في ليبيا ولبنان.