الانتخابات الأميركية شأناً مصرياً

08 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

مظاهرات مؤيدة للمرشح الديمقراطي، جو بايدن، وحشود مضادة مؤيدة للرئيس دونالد ترامب، مشهد نادر في مسار انتخابات الرئاسة الأميركية، يتزامن مع أزمة متشابكة، أظهرتها أزمة كورونا التي كانت حاضرة في مشهد الانتخابات، وفي ظل تساؤلاتٍ بشأن مضمون الديمقراطية الأميركية، ومدى تمثيلها مصالح فئات وطبقات اجتماعية، وهو ما عبرت عنه عمليا مساحاتٌ من الغضب، تمظهرت ذروتها في احتجاجاتٍ ضد العنصرية، وسبقتها مظاهراتٌ ضد بعض سياسات ترامب. وعلى أرضية الأزمة، تمظهرت المواجهة الحادّة، وربما لا تنتهي فور حسم نتائج الانتخابات بشكل رسمي. وفي الانتخابات مشاهد أخرى لافتة، منها ارتفاع نسبة المشاركين عموما، تقارب 67% (الأكبر منذ 120عاما) ومشاركة شبابية وعمالية واسعة، ونشاط لكتل ودوائر سياسية وحركات اجتماعية، ما يشير إلى درجة عالية من حيوية وتنافسية مقرونة بنزوع إلى الحراك في الشوارع. وكل ما سبق يأتي معبرا ومتزامنا مع أزماتٍ سبق وأظهرتها الاحتجاجات ضد العنصرية، والتي تجاوزت مشاركة الأميركيين من أصل أفريقي.

نظم عربية ونخبها، أغلبها يعادي الثورات العربية، ترى ترامب حليفا وداعما لها، أميل إلى استقرار أوضاع الشرق الأوسط، يشبهها في النزوع الشعبوي، والتفسير التآمري

كانت أوجه المتابعة، في الوطن العربي، تعليقاتٍ وتحليلاتٍ محملةٍ بمواقف سياسية مسبقة، متأثرة بأوضاع كتل سياسية ونظم، وتأخذ ملامح حادّة. ويغلب على المشهد وجود فريقين، أو جبهتين بمعنى أدق: نظم عربية ونخبها (أغلبها يعادي الثورات العربية) ترى ترامب حليفا وداعما لها، أميل إلى استقرار أوضاع الشرق الأوسط، يشبهها في النزوع الشعبوي، والتفسير التآمري. في المقابل، يرى أغلب مؤيدي بايدن في نجاحه فرصةً لخلخلة مشهد سياسي قاتم، بعد إخفاق الثورات العربية وعودة بعض النظم القديمة. يتخوّف مؤيدو ترامب من هؤلاء تحديدا، ويعتبرونهم أداة المؤامرة التي عملت على تفتيت المنطقة، عبر ما سمي الربيع العربي. وترى نخب النظم الحاكمة أن بايدن سيدعم أنصار الثورات العربية، بوصفه وريث توجهات الرئيس السابق، باراك أوباما، ويتخوّف هؤلاء من أي ضغوط أميركية مستقبلا لخلخلة الوضع السياسي الحالي.

مارس الفريق المؤيد لترامب عملية إسقاط نفسي سياسي، أبرز مقولاتها أن الانتخابات تم تزويرها، صوّت فيها الموتى، وشهدت رشاوى، ورقصا في اللجان.. بما يحاكي الانتخابات المصرية!

وتوضح شواهد عدة اهتماما مصريا واسعا بالانتخابات الأميركية، ربما أكثر من انتخابات البرلمان المصري التي تجري مرحلتها الثانية بالتزامن معها، وعلى الرغم من خفوت اهتمام الصحف الورقية بها، إلا من مقالات محدودة يحذّر بعضها من بايدن، وبعضها يطمئن الخائفين من رحيل ترامب، إلا أن القنوات الإعلامية كانت الأكثر تعبيرا عن تخوفات نخب السلطة وقلقها من وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، ما يعنى فقدان ترامب بوصفه مساندا للنظام، غير أن بايدن، حسب تصورهم، يدعم دعوات الفوضويين من أنصار الثورات العربية. ويؤكد بعضهم، وربما هذا مصدر القلق الأساسي، أن بايدن (حال تمكّن من قيادة البيت الأبيض) لن يعيد الإخوان المسلمين إلى الحكم، على الرغم من إشاراتٍ عديدةٍ عن أن بايدن مرشّح الإخوان المسلمين.

وبشكل مكثف، مارس الفريق المؤيد لترامب عملية إسقاط نفسي سياسي، أبرز مقولاتها أن الانتخابات تم تزويرها، صوّت فيها الموتى، وشهدت رشاوى، ورقصا في اللجان، وإذ نزعت الاتهامات السابقة من سياقها، فإنها تصلح لتوصيف مشاهد من انتخابات المرحلة الأولى للبرلمان المصري والتي سجل بعضها، وبث على وسائل التواصل الاجتماعي، وتورط في وقائعها مرشحون بقائمة كليوباترا وأغلبهم ينتمون إلى حزب مستقبل وطن والذي وصفه أحد قيادييه بأنه الحزب الوطني الجديد.

 بدت الانتخابات الأميركية كأنها شأن مصري يحظى باهتمام ربما فاق الاهتمام بانتخابات برلمانية مصرية، جرت بالتزامن معها

أسباب عديدة تدفع المصريين إلى الاهتمام بالانتخابات الرئاسية الأميركية، منها أن هذه الانتخابات تنافسية، مفتقدة في المجتمع المصري، أو كما المثل "الجائع يحلم بسوق الخبز"، خصوصا أن مصر صاحبة أقدم تجربة برلمانية عربيا وأفريقيا، غير أنها تجري في ظل تنافس بين مرشحين مثيرين للجدل. وثالثا، هناك تصور غالب إن كل مرشح يمثل توجها سيؤثر على مجرى الحالة السياسة المصرية والعربية. رابعا، الأجيال الجديدة أكثر ارتباطا بمتابعة الأحداث السياسية العالمية، بحكم تطور سبل اتصال عمّقت ما بين المعرفة والتعبير والممارسة السياسية. وهنا تظهر مسألة التماثل والمقارنة بين أوضاع بلادٍ تشهد انتخابات تنافسية (حتى لو وجه بعضهم انتقادات لمضمونها) وبلدانٍ أخفقت في اختبار الديمقراطية، أو تعثرت مساراتها بعد آمالٍ عريضةٍ أنتجتها الثورات العربية، وثورتا مصر وتونس بشكل خاص. وهنا أتذكر استجابات شباب من مصر وتونس (خلال دراسة أكاديمية) حول أثر الفرصة المعرفية على مشاركتهم في الثورات العربية. وكان منها أن متابعتهم الانتخابات في العالم جعلتهم يقارنون بين أوضاع شباب بلادهم بدول أخرى تحظى بنظم ديمقراطية، بما فيها انتخابات تنافسية، وإمكانات المشاركة السياسية وحرية التعبير. صحيح أن نظرة هؤلاء، بعد أربع سنوات من الثورة، أظهرت أن الديمقراطية في بلدان الثورات العربية ليست كافية لإحداث تغيرات ضرورية، وأن هناك ضرورة لتغيرات اقتصادية ضخمة، لكن اتجاهاتهم نحو أهمية الديمقراطية لم تتغير، وهو ما تظهره أيضا استطلاعات ودراسات عديدة، منها نتائج المؤشر العربي 2019/2020، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، والذي أظهر ميل أغلب المواطنين العرب إلى تفضيل النظام الديمقراطي، حتى ولو كانت له عيوب، كما أثّرت الخلافات العربية عبر تغذية روح الاصطفاف، وتوظيف جوانب المشهد الانتخابي في أميركا، بما فيها من أخبار وتصريحات لإثبات كل فريق وجهة نظره.

القنوات الإعلامية كانت الأكثر تعبيراً عن تخوفات نخب السلطة وقلقها من وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض

وأخيرا، يمكن الإشارة إلى ملاحظات بشأن الاتجاهات بخصوص الانتخابات الأميركية، أُولاها أن كلا الفريقين المؤيد لترامب وبايدن ينطلقان من منظورين متشابهين، ويعبر كلاهما عن إيمانٍ بتبعية النظم العربية للإدارة الأميركية، وأن تغير شخص الرئيس الأميركي يعني تغيرات في سياسات النظم العربية. ومن هنا، يتضح النزوع إلى الأمل لدى فريق والتخوف لدى الفريق الآخر، ما يدل على استمرار ارتباط نخب عديدة برؤى قديمة، تنطلق من العوامل الخارجية عاملا حاسما في أي تغيير، وهو ما ثبت ضعف وزنه عمليا بعد الثورات العربية. وأن العوامل الداخلية حال نهوض الشعوب وفاعليتها عامل أساسي في إحداث أي تغيرات وازنة. ثانيا، أن مواقف كل من الاتجاهين تتسم بالحدّة، والتصورات المطلقة والعمومية. كما أن كليهما في حالة تضاد شكلي، فكل فريقٍ يرتكز على جانبٍ من المشهد، ويفسر الأثر الذي يريد ترويجه أو نفيه لإثبات وجهة نظره، من دون النظر إلى مجمل المشهد. يتناول الأول الثوابت والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، لإثبات أنه لا تغيير جوهريا بعد الانتخابات الأميركية. وهنا تتم الإشارة إلى مصالح الولايات المتحدة المرتبطة بتأمين الأسواق ومصادر الطاقة، الملاحة والنقل، تأمين الوجود العسكري، وأمن إسرائيل. والثاني، والذي يرجّح حدوث تغيرات ثانوية وفرعية مرتبطة بالسياسات الخارجية الأميركية مع قضايا الحريات. وهذا محل احتمال، وتدعمه تصريحات الديمقراطيين، إلا أنه، في النهاية، وعلى الرغم من صحته، تغيير ثانوي، ولا يعكس آمالا مبالغا فيها من المرحبين بالديمقراطيين، أي أن كلا الموقفين لا تعارض بينهما، فالتغيير لا يمكن إنكار إمكانية حدوثه، ولكن لن يكون جوهريا. ولا تغيير في المنطقة العربية إلا بعوامل ذاتية، تخص حركة شعوبها. أما في ما يتعلق بقضايا رئيسية مرتبطة بمصالح أميركا الاستراتيجية، فلا تغيير فيها بتغيير شخص رئيسها، وهو معبر بشكل كبير (على الرغم من التسليم باختلاف السمات الشخصية)، بما يمثله رئيس أميركا من مصالح تكتلات اقتصادية كبرى تحرّك مجمل السياسات الأميركية.

ثالثا، إن مصر، وبحكم عوامل كثيرة، منها الوزن السياسي والديمغرافي، مرآة للصراعات السياسية، ويظهر فيها، وعلى الرغم من تغيرات سنواتٍ مضت، ميل إلى التعبير عن تنوع في اتجاهات الرأي. وقد شاهدنا المشهد نفسه بدرجات أقل، في ما يتعلق بجولة الانتخابات الأميركية في العام 2016 بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، والتطورات السياسية في تونس، ما تعلق بالمرشح، والرئيس تاليا قيس سعيد، أو خلافات سياسية في البرلمان، كان فيها أحد رموز نظام بن علي أكثر شهرة في مصر منها في تونس، في صحف وإعلام حكومي. وحتى في قضايا اجتماعية تونسية، كالحجاب والمواريث والزواج. وأخيرا مسألة الدعوتين إلى مقاطعة تركيا وفرنسا، وكلها قضايا كانت محل جدل واصطفاف مشابه لما جرى من ردود أفعال تجاه الانتخابات الأميركية، والتي بدت كأنها شأن مصري يحظى باهتمام، ربما فاق الاهتمام بانتخابات برلمانية مصرية، تجري بالتزامن مع انتخابات الرئاسة في أميركا.