الامتحان السوري

09 ديسمبر 2025

سوريون يحتفلون في حلب بالذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد (7/12/2025 الأناضول)

+ الخط -

ليس الاحتفال بالذكرى الأولى لهروب الدكتاتور بشار الأسد وسقوط حكمه مجرّد احتفال بغياب مجرم صادر الدولة عقوداً، وحكمها على دماء أبنائها؛ بقدر ما هو إعلانٌ مؤجَّلٌ أن المجتمع السوري يحتاج أن يستعيد مكانه مصدراً وحيداً للشرعية. ومع ذلك، يدرك السوريون الذين يملكون حقّ التهنئة والفرح من القلب تماماً أن الطريق لم يبلغ نهايته بعد، فالهروب المفاجئ لمن سحق الدولة واحتكر أدوات قمعها كاملة، وانهيار نظامه القديم في عشرة أيام، لم يرافقه بعد وضوحٌ في ملامح النظام الجديد ومؤسّساته، ولا في هُويَّة الدولة التي يطمح السوريون إلى بنائها. لقد خاض السوريون معركتهم الكبرى، واستعادوا القدرة على التنفّس وعلى الحلم، لكنّهم لم يستعيدوا بعد القدرة على الإحساس بالعدالة والأمن والمساواة. فأهالي الشهداء والمفقودين، وسكّان المخيّمات، وأهالي المدن المُدمَّرة يشكّلون رأس مالٍ أخلاقيٍاً يُلزم جميع الفاعلين في المرحلة الانتقالية صياغة مشروع وطني لا يساوم على العدالة. ولم تظهر بعد ملامح تبشّر بإعادة العدالة إليهم ولو بعد حين، فالحرية ليست مجرّد انتصار سياسي، هي منظومة بنى مؤسّسية قادرة على حماية الناس من عودة الطغيان، مهما تغيّر شكله أو تبدّل اسمه.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز المفارقة الأكثر حساسية: ليس جميع السوريين يحتفلون، فالنصر الذي تعيشه الأغلبية يبقى ناقصاً، لأن جزءاً من المجتمع (خصوصاً من الأقليات التي عاشت عقوداً تحت خطاب التخويف) لم يشعر أنه شريك في هذه اللحظة. هناك فئات ما زالت تخشى النزول إلى الشارع، وما زالت محاصرة بخوفٍ مزروع في ذاكرتها، عزّزته أحداث العام الماضي الدامية. هذه المجتمعات لا ترفض التغيير، وقد رحّبت به، لكنّها لم تجد بعدُ الضمانات التي تجعلها مطمئنةً إلى أن سورية الجديدة ستكون دولة مواطنة، لا دولة ردّات فعل تُحمِّلها بالجملة مسؤولية جرائم النظام الساقط. ولهذا يبدو النصر، مهما بلغ حجمه، انتصاراً منقوصاً لا يكتمل إلا حين يخرج جميع السوريين من زوايا الخوف نحو الثقة، وحين يشعر الجميع (بلا استثناء) أنهم شركاء في هذا التحوّل التاريخي.
احتكار النصر، أو تقديمه ملكيةً خاصّةً لفئة واحدة، هو الطريق الأسرع لإفشال الثورة من الداخل. والحقيقة أن السوريين لم يشعروا بأن هذا الانتصار يخصّهم جميعاً بالمعنى نفسه، وهو ما يهدّد بفقدان الثورة معناها الذي منحها شرعيتها؛ ذلك المعنى الذي عبّر عنه خوسيه ساراماغو حين وصف الثورة بأنها لحظة اكتشاف أننا جميعاً بشر بالقدر ذاته. فالانتصار الحقيقي هو الذي يخلق شعوراً وطنياً مشتركاً، لا شعوراً فئوياً يقوم على أحادية السرد. لقد كانت الثورة نداءً لتحطيم الظلم والاستبداد الذي فتك بالسوريين طوال خمسة عقود، لكنه اتّضح (لحظة سقوط النظام التي اعتُبرت ذروة انتصار الثورة) أن هذا السقوط، وحده، عاجز عن بناء نظام ديمقراطي.
المطلوب اليوم تأسيس بنى قانونية، وآليات مساءلة، ونظام مؤسّسات لا يقوم على الولاء بالولادة لفئة بعينها تملك وحدها حقّ الانتماء إلى الوطن، بقدر ما يقوم على التمسّك بالحقّ في الحياة، وعلى حماية الكرامة الإنسانية من الظلم والانتهاك وكل ما ابتُلي به السوريون خلال الخمسين سنة الماضية. انتصار الثورة لا يكتمل إلا بانتصار الجميع؛ فهو ثقافة يومية، وطريقة في النظر إلى الآخر، ومستوى جديد من الأخلاق السياسية يضمن ألّا تتحول السلطة (مرّةً أخرى) ملكيةَ شخص أو حزب أو طائفة، حتى وإن كانت "أغلبية". وبعد سنوات الشتات الطويلة، يحتاج السوريون إعادة تشكيل هُويَّتهم الوطنية بصيغة جديدة واضحة. فالهُويَّة السورية لم تعدْ بنيةً متجانسةً؛ لقد تشكّلت في المنافي، وتصدّعت تحت القصف، وانقسمت داخل الخطابات الإعلامية والسياسية. ولهذا، فإن المشروع الوطني المقبل لا يمكن أن يُبنى على نفي المختلفين، بل على توسيع مساحة العيش المشترك. وسورية اليوم تقف أمام فرصة لصياغة هذه المساحة، للمرّة الأولى منذ الاستقلال.
ليست الذكرى الأولى لهروب الدكتاتور مناسبةً للاحتفال بقدر ما هي دعوة إلى التفكير. هي اختبار لقدرة السوريين على تحويل سقوط الطغيان بنيةً ديمقراطيةً صلبةً، وعلى إنتاج دولة لا يخشاها مواطنوها ولا تخشاهم. هي فرصة لطرح الأسئلة التي تؤسّس لسورية قابلةٍ للحياة: كيف تُبنى العدالة؟ كيف يدمج الجميع في مشروع وطني جديد؟ كيف نضمن ألا يعود الاستبداد بثياب مختلفة؟ وكيف نجعل من هذا النصر نصراً للجميع، لا أن يكون مجرّد محطّة في صراع طويل؟
بحسب الشاعر البولوني تشيسواف ميوش: "عندما ينهار الظلم، لا تبدأ الحرية، إنما يبدأ امتحانها"، والامتحان السوري بدأ الآن.

سمر يزبك
سمر يزبك
سمر يزبك
كاتبة وروائية وإعلامية سورية
سمر يزبك