الاغتيال وبديهية الإدانة

30 أكتوبر 2020
الصورة

يمنيان في تجمع في صنعاء للتنديد باغتيال حسن زيد (28/10/2020/فرانس برس)

+ الخط -

في العادة، لا تحتاج إدانة الاغتيال السياسي تبريرات، بل تُعتبر من البديهيات، لأنها استنكار للفِعل بحد ذاته، بغض النظر عن مرتكِبه والمستهدَف. لكن في اليمن، كما في دول عربية عدة، المسألة مختلفة، وتَستحضِر، في كل مرة، نقاشات وانقسامات. مجرّد تعبير جمْع من اليمنيين عن رفضهم اغتيال "وزير" الشباب والرياضة في ما تسمى "حكومة الحوثيين"، حسن زيد، كان كفيلاً بإغضاب كثر. شنّ المستاؤون حملاتٍ من التحريض، واستحضروا كميةً من الاتهامات، يُصوّر لمتابعها أنه تم ارتكاب إثم عظيم، لمجرد استنكار جريمة قتل. وهذا المشهد مألوف نوعاً ما، إذ سبق أن تكرّر عند تصفية محسوبين على جماعة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة، وهم عبد الكريم جدبان (نوفمبر/ تشرين الثاني 2013)، أحمد شرف الدين (يناير/ كانون الثاني 2014)، محمد عبد الملك المتوكل (نوفمبر 2014)، وعبد الكريم الخيواني (مارس/ آذار 2015).

وفي عالم "السوشيل ميديا"، تبدو هذه الحملة المعترضة على إدانة جرم الاغتيال "طبيعية"، أو على الأقل متوقعة، بعدما تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء جمعي، للتعبير عن الآراء، مهما كان تصنيفها من حيث المعيار الأخلاقي. ولم تعد لدى كثر اليوم، القدرة، وبشكل أدقّ الرغبة، في استيعاب أن التباعد في المواقف والخلافات السياسية مع حسن زيد، خصوصاً في ما يتعلق بدفاعه المستميت عن الجماعة، وارتضائه بأن يكون أحد وجوه تمثيل مليشيا مسلحة مسؤولة عن خراب البلاد، لا يمكن أن تكون سبباً لرفض الجريمة المرتكبة بحقه.

وأكثر ما يستدعي التوقف عنده مواقف بعض السياسيين والناشطين اليمنيين الذين لم يتجنّبوا فقط إدانة الاغتيال، على قاعدة أن السكوت من ذهب في مثل هذه الحالات، بل كانوا يبحثون عن مبرّرات ضمنية لما حدث. وإنْ اختاروا طرقاً أكثر تحفظاً والتفافاً للقيام بذلك، وكأنهم يخجلون من الإفصاح عما يعتقدون بشكل صريح. وفي هذا المشهد تماهٍ مع القتلة، سواء أكانوا من داخل الجماعة كما يذهب بعضهم إلى الاعتقاد، أم من خارجها.

يتغافل الساسة، تحديداً، عن حقيقة أن رفض الاغتيال ليس ترفاً أو كرم أخلاق أو ترفعاً عن خصومة، هو في الأصل دفاعٌ عن ضرورة عدم استباحة حق أي شخصٍ في الحياة لمجرّد اختياره الوقوف في الطرف المقابل، وإبداء رأي مغاير أو الانخراط في عمل سياسي. ويفترض أنهم يدركون، أكثر من غيرهم، أهمية عدم الاستمرار في إضفاء شرعية، لو ضمنيةً، على أي قتل بدوافع سياسية، في بلد مثل اليمن، خصوصاً في زمن الاصطفافات الحادّة وانتشار المليشيات وحكمها. وفي الذاكرة قائمة أسماء لعشرات السياسيين والعسكريين ممن تمت تصفيتهم أو نجوا من محاولات الاغتيال، قبل الوحدة وبعدها. كما لم يحن بعد وقت نسيان كيف كان الوضع قبل سنوات، عندما كانت الاغتيالات في أوجها، وكان السؤال عمن سيأتي دوره تالياً، لأن هناك من قرّر أنه ينفذ مخططاً يدور في رأسه، عبر أسهل الطرق بالنسبة إليه، الاغتيال، لأنه يدرك جيداً أنه قادر على الإفلات من المحاسبة، وأن هناك من سيجد له المبرّرات.

وإذا كان بعضهم يفضل تجاهل ذلك كله، لأن من قُتل هو "الخصم" أو لأنه بعيد عن اليمن ويأمن على نفسه، فإن ما يوثقه تقرير حقوقي بعنوان "الحق في الحياة" بشأن تنفيذ 451 عملية اغتيال في اليمن بين سبتمبر/ أيلول 2014 ويوليو/ تموز 2019 لشخصيات مدنية وعسكرية، كفيل على الأقل بالدفع نحو إعادة النظر بفكرة استسهال تبرير التصفيات. كلّما اقترب موعد نهاية الحرب اليمينة زادت شهية كل طرف لضمان أكبر قدر من الهيمنة على المشهدين السياسي والعسكري. وإذا كان من أمرٍ يمكن استخلاصه من التاريخ اليمني الحديث، فإن هذه الأجواء تشكل البيئة الخصبة لتنشيط سلاح الاغتيالات.