الاعتزال ضرورة جمالية
(Getty)
بحسب اختصاصيين، يهرم الصوت البشري بتقدّم العمر، إذ تتغيّر درجته ومدى صفائه وجودته مع انتقالنا عبر مراحل عمرية مختلفة، كما أنّ أصواتنا تتأثّر حكماً بالتغييرات في الهرمونات وفي العضلات، تماماً مثل باقي أعضاء الجسم. يطرأ على الصوت ما يُعرف طبّياً بشيخوخة الصوت: تفقد العضلات في الحنجرة مرونتها، وتتصلّب الأنسجة، وتفقد الألياف المرنة قدرتها على الاهتزاز بانتظام، وتجفّ الحبال الصوتية وتترقّق، ويقلّ تدفّق الهواء من الرئتَين، ويتراجع التنفّس وقوّة سحب النَّفَس اللازمان، ممّا يسبِّب ضعف الصوت أو تغيّر نبرته، إذ ترتفع طبقة الصوت لدى الرجال، بينما تنخفض وتصبح أهدأ لدى النساء. وفي العموم، يصطبغ صوت الكهول بالبحّة والخشونة والتهدّج.
كان لا بدّ من الاتكاء على هذه المقدّمة العلمية المتخصّصة قبل الخوض في تبعات شيخوخة الصوت التي سيختبرها الشخص العادي بقليل من الأسى، وربّما سيردّد أمام رفاقه متحسّراً: والله ختيرنا، وينتهي الأمر بالقبول والتسليم. لكنّ خراب الديار يقع لمن امتهن فنّ الغناء وسيلةً للعيش، وحقّق من خلاله النجومية والثراء حين تمتّع في صباه بصوت قوي رخيم، ثمّ سرعان ما أخذت تلك الهبّة تذوي وتذوب وتتلاشى مع مرور السنين، ليجد صاحب النجومية نفسه مجرّداً من سلاحه الوحيد الذي حقّق من خلاله المجد كلّه، محاطاً بملايين المعجبين الذين يلهثون وراءه، يعلّقون صوره على جدرانهم، وينشئون نواديَ باسمه، ويدفعون بلا تردّد أثمان التذاكر الباهظة لحضور حفلاته في المهرجانات، ليجد نفسه، بعد ذلك الصخب كلّه، وحيداً ومنسياً ومتروكاً.
غير أنّ ذلك المصير ليس عامّاً ولا حتمياً، إذ قد ينجو منه من تمتّع بالوعي والجدّية والمهنية من المغنّين الرّاسخين، فواظب على تمرينات عضلات الحنجرة، وحافظ على كفاءة جهازه التنفّسي، واتخذ نمط حياة صحّياً، متجنباً الإجهاد والإفراط في الطعام والتدخين والمواد الضارّة التي تطيح صوته مهما كان رخيماً.
وقد أجمع الجمهور والنقّاد على أنّ مُطرباً أسطورياً مثل فرانك سيناترا لم يحتفظ بجودة صوته حتّى النهاية، فقد تعرّض لتراجع ملحوظ وتآكل تدريجي، بسبب التقدّم في السنّ والإرهاق والتدخين والمشكلات الصحّية، ما جعل أداءه ضعيفاً في حفلاته الأخيرة.
قدّمت أم كلثوم آخر أغنياتها، "حكم علينا الهوى"، مسجّلةً على أسطوانة، وقد بلغت حينها الرابعة والسبعين، وكان آخر ظهور لها على المسرح عام 1973، حين غنّت "ليلة حبّ" و"القلب يعشق كلّ جميل"، لتختم بذلك مشوارها الفنّي الطويل، مبدعةً شامخةً على الرغم من تقدّم العمر.
وفي زمننا الراهن الرديء والرثّ على غير صعيد، نجد جورج وسّوف، الذي يتحدّث بصعوبة وقد اختفى صوته الجميل إثر المرض ونمط الحياة غير الصحّي. نجده حتّى اللحظة مشاركاً في واحدٍ من أهمّ المهرجانات التي يأتي إليها محمولاً على نقّالة، ولا ينجح المنظّمون في خداع الجمهور بالحيل الصوتية. أحياناً علينا الاعتراف بأنّ الجمهور متواطئ بدوره، وكان حريّاً بوسّوف أن يعتذر عن المشاركة في مهرجان جرش، والاعتزال ضرورة جمالية حفاظاً على كرامته واحتراماً لتاريخه الغنائي.
كما تكرّر الأمر مع ماجدة الرومي في أكثر من حفل، وقد شهد صوتها تراجعاً فادحاً. ومع ذلك، ما زالت تقامر بماضيها وتاريخها الحافل بالأغنيات الجميلة، وتعيش إنكاراً للحالة المتردّية التي وصل صوتها إليها، وتتمسّك بإحياء الحفلات الحيّة في العواصم العربية، وكان الأجدر بها أن تعتزل الغناء قبل اعتزال الغرام، وذلك من باب أولى.
أمّا السبعينية ميّادة الحناوي، التي حظيت بلقب "مطربة الجيل"، وخضعت لعملية جذرية لشدّ الوجه، فقد لاقت كثيراً من الاستهجان والرفض بسبب نشاز صوتها السافر في مهرجان قرطاج، في استغفال فجّ للجمهور، ومحاولة التغطية على ذلك بالاستعانة بكورال نسائي، وبتوزيع الابتسامات، والتصفيق، ومغازلة الجمهور.
والسؤال المطروح في هذا السياق على أمثال هؤلاء: متى ستشبعون، بحقّ السماء؟