الاستقرار بالقمع...

26 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 12:48 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى المقال:

كيف تبدو جملة "الخير قادم" في المخيّلة الشعبية المصرية؟ ربما تذكّرك، إذا كنت أهلاوياً شرّيراً، بـ "الزمالك قادم". لكن إذا أردت الحقّ، وتجاوزت الشكل المغري بالإفيه إلى المضمون، فالمسافة واسعة، فقدوم "الزمالك" وارد، ثمّة جهد ومحاولات. أمّا إقبال الخير "السياسي" من دون أي جهد سياسي فمستحيل. هكذا تخبرنا التجارب والشواهد، ولا معنى لتكرار الشيء نفسه وانتظار نتيجة مختلفة سوى تعريف الغباء الخام.
دعوتُ هنا إلى الاستجابة إلى دعوات "الحوار الوطني" في حينها، وما زلتُ (من حيث المبدأ) أرى أن أي دعوة إلى الحوار هي، في جوهرها، دعوة إلى "السياسة" في بلدٍ مشكلاته سياسية، وحلولها سياسية، وحاجته إلى رجل الدولة "السياسي" تسبق حاجاته الأمنية والاقتصادية. لكنّ من لا يتعلّم من تجاربه لن يتعلّم أبداً، وقد أخبرتنا التجارب طوال 12 عاماً، وبصرف النظر عن أي خصومة، أن النظام الحالي في مصر يعتبر السياسة عدواً، ولا يقترب منها إلا مضطراً، مضغوطاً، مجبراً، ومن ثم خصماً، حذراً، متوجّساً، مخادعاً بكل ما يمتلك من أدوات المقاتل، الذي يرى في "الحرب" على السياسة واجباً، وفي الإعلان عن تبنّيها "خدعة" يقتضيها منطق الحرب نفسه.
يدفع الرئيس عبد الفتاح السيسي عن نفسه تهمة "السياسة"، ويقول مفاخراً على الهواء مباشرة: "أنا مش سياسي... بتاع الكلام". هكذا يعرّف الرئيس "السياسي"، وهكذا يعرّف الكلام (بديل الصراع)، فالسياسي عنده مجرّد "كلامنجي" لا يُعوَّل عليه. ينزعج الرئيس من أي "كلام" تبدو فيه الدولة "مخطئة"، ولو كان فيلم سينما لعادل إمام، "الإرهاب والكباب"، ويرى في ذلك خطراً، وينتقده بأثر رجعي، محذّراً من تكراره. من هنا، يمكننا أن نفهم سرّ "متلازمة 2011" التي لا يكفّ الرئيس عن ترديدها في مواضع الخوف والتبرير والتهديد، فالثورة التي انتزعت رأس النظام السابق هي في تصوّرات النظام الحالي نتيجة مباشرة لهامش السياسة الذي سمح به حسني مبارك، وليست لدولة الفساد، أو دولة "الكُهَن" (كما وصفها السيسي)، أو حتى لـ"مشروع التوريث"، بل للسياسة، للهامش الديمقراطي. وبينما يدرك أي طالب علوم سياسية أن مبارك حكم بلاده أطول فترة منذ حكم محمّد علي بسبب هذا الهامش، وأن "غُشم" طاقم جمال مبارك وعجزه عن ممارسة السياسة هو سبب رحيل مبارك، يتصوّر رأس النظام الحالي العكس تماماً: السياسة هي المشكلة، واستقرار الكرسي (وهو استقرار الوطن) مرهون بالقمع الدائم والمستمرّ، والاعتقالات اليومية التي يعتبرها الرئيس السيسي "إنقاذاً وطنياً"، كما صرّح بذلك مبتسماً وواثقاً وعلى الهواء.
وعليه، أي إشارة إلى "فعل سياسي" هي في حقيقتها استجابة حذرة لشكل من أشكال الضغط، إمّا من جناح قوي داخل الدولة، كما حدث في أزمة المقاول محمّد علي، التي نفّذ فيها السيسي أوامر خصومه بالحرف الواحد، أو من الخارج، ومن الولايات المتحدة تحديداً أو إحدى أدواتها الإقليمية في الخليج. وهو ما سبق أن استجاب له السيسي مُجبَراً في ملفّات عدة اقتصادية وحقوقية، قبل أن يعود مسرعاً إلى حصونه الأمنية، ويواصل مسيرة "الإنقاذ الوطني" بالاعتقالات والإخفاءات القسرية، بالضرب في المليان، أو الملتوية بالإهمال الطبي المتعمَّد للمعتقلين حتى الموت.
من هنا، يمكننا الإجابة عن أسئلة مثل: هل يتصالح النظام مع المعارضة في الخارج؟ هل تضغط السعودية (أعتذر عن بشاعة النكتة) لمصالحة بين النظام والإخوان المسلمين؟ هل نشهد تغيراً "حقيقياً" في ملفّ الإعلام؟ هل ثمّة توجّه إلى توحيد الجبهة الداخلية لمواجهة أخطار الخارج؟ هل ثمّة حلّ "سياسي" لفشل النظام في ملفّات الأمن والاقتصاد والعدالة؟ هل ثمّة أمل في أي فعل "سياسي" من أي نوع؟ والإجابة الواضحة التي تدلّل عليها التجارب المتكرّرة هي "لا"... لا أمل في أي فعل سياسي "جادّ" مع النظام الحالي. فالسياسة عدوّ، نقمعه أو نخدعه، حسب إمكاناتنا وظروفنا. هذه النظرة العدوانية للسياسة "مركزية" في تصوّرات النظام الحالي، ومن ثمّ في فهمه.

3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان
محمد طلبة رضوان