الاستثمار السياسي في مباراة الجزائر والمغرب

الاستثمار السياسي في مباراة الجزائر والمغرب

16 ديسمبر 2021

المغربي أشرف بن شوقي والجزائري حسين بناية في مباراة بلديهما في الدوحة (11/12/2021/Getty)

+ الخط -

ما يجري في ميادين عالم الرياضة ومنافساتها، خصوصاً كرة القدم، يبطل الادّعاءات التي تقول بفصل عالم السياسة عن عالم الرياضة، أو بالأحرى تلك التي تحاول نزع السياسة عن الرياضة، إذ أثبتت مختلف المباريات والمنافسات أنّ المواقف السياسية والانتماءات الوطنية وما دون الوطنية هي ما يحرّك مشاعر الحماس الجماهيري، ويؤجّج الانفعالات ويرفعها إلى درجةٍ حادّة من التوتر أحياناً، خصوصاً أنّ الأنظمة السياسية الحاكمة تستغلّ الأحداث الكروية، وسواها من الأحداث الرياضية، وتوظّفها سياسياً، وتستثمر فيها، خدمةً لأجنداتها ومصالحها.

ولعلّ ما حدث خلال مباراة الجزائر والمغرب، 11 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، ضمن منافسات بطولة كأس العرب في قطر، والتداعيات التي تلتها، يشيران بوضوح إلى حجم الاستثمار السياسي لها، وإلى أن المستثمرين أرادوا إظهار أنّ مشاعر العداء والخصومة قد بلغت درجةً غير مسبوقة بين البلدين العربيين الجارين، والتي تغذّت من الفصول المتعدّدة للنزاع السياسي بينهما، ووصلت أخيراً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، ووقف رحلات الطيران المتبادل، وإيقاف ضخ الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر المغرب، على خلفية اتهامات الجزائر للمغرب بالتآمر عليها، وظهرت تهديدات وتلميحات بوصول الأمور إلى حافة اندلاع حرب بينهما، وذلك بعدما اتهمت الجزائر المغرب، في الأسبوع الأول من الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، بالتسبّب في مقتل ثلاثة من مواطنيها على الحدود معها، وتوعدت بأنّ الأمر "لن يمر من دون عقاب" ثم لجأ كلّ طرفٍ منهما إلى حشد قوات عسكرية على الحدود المشتركة بينهما، وأجرى مناورات عسكرية تحاكي سيناريو وقوع هجمات ضده.

كرة القدم باتت تشكل مجالاً ومتنفساً للتعبير عن المشاعر الوطنية بشكل سلمي، وصار الشعور بالانتماء والهوية بواسطة كرة القدم ظاهرةً تستحق الدرس من الباحثين الاجتماعيين والسياسيين

وعلى الرغم من أنّ المشجّعين المغاربة والجزائريين كانوا يلوّحون بأعلامهم جنباً إلى جنب في مدرجات ملعب الثمامة في الدوحة خلال المباراة، وبعد نهايتها، ومن نشر نشطاء جزائريين ومغاربة رسائل تؤكّد على الأخوّة بين الشعبين على مواقع التواصل، حيث عبر أحد رموز الحراك الاحتجاجي الجزائري عن أمله في أن "يكون لقاء الرياضة فرصةً للنظر إلى بعضنا البعض بقلب منفتح على الأخوة والمودة" فإنّه في المقابل، نشرت صحف جزائرية عبارات مستمدّة من قاموس العداء والحروب، مثل "صاروخ بلايلي يضرب المغرب" لوصف الهدف الذي سجله اللاعب الجزائري يوسف بلايلي في أثناء المباراة. والأنكى أنّ الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبّون، غرّد على "تويتر" بعد نهاية المباراة بالقول: "مليون ونصف برافو لأبطالنا" في إشارة إلى عدد شهداء حرب الاستقلال الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي من عام 1954 إلى 1962، أما وزارة الدفاع الجزائرية فقد هنأت "محاربي الصحراء على فوزهم".

تضرّر ملايين الجزائريين والمغاربة كثيراً من حالات العداء التي أشعلتها وأجّجتها الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم البلدين منذ ستينيات القرن الماضي

ومن الطبيعي أن يخرج الجزائريون للاحتفال بفوز منتخبهم الوطني على المنتخب المغربي، وأن تشهد شوارع الجزائر العاصمة، وسواها من المدن الجزائرية، احتفالاتٍ حتى وقت متأخر من الليل، ذلك أنّ كرة القدم باتت تشكل مجالاً ومتنفساً للتعبير عن المشاعر الوطنية بشكل سلمي، وصار الشعور بالانتماء والهوية بواسطة كرة القدم ظاهرةً تستحق الدرس من الباحثين الاجتماعيين والسياسيين، فالتعلّق بالمنتخبات الوطنية بلغ مرحلةً غير مسبوقة، إذ يتفوق على ما عداه من أنماط الهوية الأخرى ومختلف طرق التعبير عن الانتماء إلى الوطن في عالم اليوم، لكنّه امتد ليأخذ سياقاتٍ سياسيةً وقوميةً وعصبوية، وطاول في بلداننا العربية سياقاتٍ أخرى، إقليمية وطائفية وفئوية وإثنية، بل أخذ مناحي خطيرة ودامية في بعض الأماكن والأحايين.

وقد يكون مفهوماً أن يتضامن الشعب الجزائري مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، لكن أن يحتفل اللاعبون الجزائريون في الملعب فور انتهاء المباراة حاملين العلم الفلسطيني، ففي ذلك حمولةٌ لرسالة سياسية، ولتوظيف سياسي. والمرجّح أنّه جرى بناء على توجيه مسبق من مسؤولي المنتخب، كونه ليس بعيداً عن الخطوات الداعمة للسلطة الفلسطينية ولحركة حماس التي اتخذها النظام الجزائري أخيراً. وفي السياق نفسه، يدخل كلام لاعب المنتخب الجزائري، محمد أمين توكاي، الذي أرجع سبب ارتفاع معنوياته النفسية، وتمتّعه بروح "قتالية" خلال المباراة بالقول: "كنت ألعب من أجل العَلمين الجزائري والفلسطيني. ولا أبالي بالمكافأة المالية والتعويض المادي". وليس جديداً القول إنّ التعاطف ودعم القضية الفلسطينية هو لسان حال ملايين المغاربة، مثل سواهم من الشعوب العربية.

أن يحتفل اللاعبون الجزائريون في اللعب فور انتهاء المباراة حاملين العلم الفلسطيني، ففي ذلك حمولةٌ لرسالة سياسية

تضرّر ملايين الجزائريين والمغاربة كثيراً من حالات العداء التي أشعلتها وأجّجتها الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم البلدين منذ ستينيات القرن الماضي، وغالبيتهم لا تحمل سوى مشاعر الأخوة والتضامن التي ميّزت العلاقات التاريخية بين الشعبين المغربي والجزائري. ولكن المؤسف أن توظف الأنظمة مختلف المناسبات الرياضية كي تشعل فتيل النزاعات والعداوات بين الشعوب، مستغلةً ما يمكن أن تسهم به منافسات كرة القدم في إيجاد فضاء من الانتماءات والهويات، بهدف نقلها إلى حيّز من المواجهات والحساسيات التي تنتج تمركزاً واستقطاباً، نظراً إلى امتلاك عالم الكرة المستديرة قدرة كبيرة على التعبئة التي يمكن تهويلها وتحويلها، وبالتالي تشكّل كرة القدم إحدى الظواهر التي تسمح على الصعيد الوطني بإنتاج أو إعادة إنتاج نقاط ارتكاز جمعية أو وطنية لم تعد موجودة، أو أنها قد ولّت وفات زمنها، لتصبح كرة القدم، وفق هذا التصوّر، عاملاً مهماً في التأكيد على السيادة الوطنية. ووفق هذا المعطى، تلجأ الأنظمة السياسية الحاكمة إلى استغلال مباريات كرة القدم خدمة لأغراضها السياسية وأجنداتها.

لم يأتِ مردود الاستثمار السياسي في المباراة بين منتخبي الجزائر والمغرب في الدوحة مثلما أراده أصحابه، إذ "على الرغم من الحملات العدائية البغيضة الممنهجة، فإنّ شعوب المغرب الكبير أثبتت أنّها أكثر وعياً من حكّامها" حسبما أكد أحد الناشطين الجزائريين، لأنّ الأمل كان معقوداً على أن تشكّل مباراة المنتخبين في كأس العرب مناسبةً للتعبير عن الإخاء والتسامح الذي تشيعه لحظة اللعب، وعن التواصل الذي لا يوجد إلّا بوجودها، إلّا أنّها استُغلت كي تمثل مظهراً لتحميل رسائل سياسية، ومناسبةً لتأجيج العداء والحقد والكراهية ضد الآخر، ولكي تتحوّل إلى حدث سياسي بامتياز، وإلى مادة لتهويل وتحريض بعض وسائل الإعلام.