الاتحاد التونسي للشغل في قلب العاصفة

29 ديسمبر 2025

نور الدين الطبوبي في مكتبه في الاتحاد العام للشغل في تونس (4/12/2025 Getty)

+ الخط -

بتقديمه استقالته، يعلن الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، من دون مواربة، عن أزمة الأجسام الوسيطة في سياق شعبوي، طاولت أعرق المنظّمات النقابية في العالم العربي. وعلى خلاف الصورة التي ظلّ يشيعها للرأي العام، تبيّن أن الاتحاد يعاني، منذ سنوات عديدة، أزمةً مركّبةً ومعقّدةً، لكنّها صامتة.
خلال عقد الانتقال الديمقراطي، استغلّ الاتحاد ضعف الحكومات، وتمدّد خارج المجالات التي استثمرها منذ تأسيسه في أواسط أربعينيّات القرن الفارط، حين كانت البلاد تحت الاحتلال الفرنسي. وقد جمع الاتحاد، في السياقات تلك، بين المّهمتين، الاجتماعية والوطنية، وتعني الثانية في معجم الاتحاد المهمّة السياسية. أسهم الاتحاد بشكل كبير في الثورة حين نظّم "مليونية صفاقس"، وانحازت هياكله وقياداته الوسطى ومنخرطوه لاحقاً إلى مختلف المظاهرات في البلاد. ومنحته هذه المشاركة المتقدّمة في إحداثيات الثورة منزلةً عليا أحسن استثمارها في التفاوض مع مختلف الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي.

عجز الاتحاد عن تعديل ثقافته النقابية في ضوء الانتقال الديمقراطي، واختار أن يتحوّل إلى ما يشبه "نقابة حزب"، فعادى من حكموا عداءً أيديولوجياً

وحين خيّم على البلاد شبح العنف المُعمَّم، استطاع اتحاد الشغل أن يجمع الفرقاء ويجنّب البلاد السقوط في عنف شامل. ونال الاتحاد، نتيجة ذلك، جائزة نوبل للسلام. وشكّلت هذه المكاسب رأسمالاً رمزياً استطاع الاتحاد أن يقايض به حكّام المرحلة من أجل بسط هيمنته والتوسّع، من دون إدراك أن هذه الوضعية ستكون مصحوبة بمصاعب شتى.
اغترّت قيادة الاتحاد بتلك القوة كلّها التي اكتسبتها، وهي في حقيقة الأمر مجرّد وَهَنٍ يتجلّى عند خصومه. وكان ضعف الذين حكموا في سياقات العنف والإرهاب والفوضى قد شجّع الاتحاد على أن يكون القوة الاجتماعية الأكثر تنظيماً، حتى إن قواعده كانت تتغنّى في أثناء المظاهرات بأن "الاتحاد أكبر قوة في البلاد". وقاد مفاوضات عديدة من قرطاج بالذات من أجل تشكيل الحكومات، من خلال ما عُرف بـ"حوار قرطاج". كما توسّط بين مختلف الفرقاء وغدا "خيمة التونسيين جميعاً"، كما يروّج أنصاره. غير أن الحقيقة كانت خلاف هذه الصورة المُضلِّلة التي تطمس عمق الأزمة الحقيقية التي كان عليها الاتحاد، سواء بُعيد الثورة أو طوال عشرية الانتقال.
الأزمة المستفحلة منذ الثورة، التي كانت استقالة الأمين العام الطبوبي إعلاناً صريحاً عنها، ناجمة من أمرَيْن: الأول عجز الاتحاد عن تعديل ثقافته النقابية في ضوء الانتقال الديمقراطي. لقد اختار، عن قصد، أن يتحوّل إلى ما يشبه "نقابة حزب"، إذ عادى من حكموا عداءً أيديولوجياً. ولا غرابة أن يحوّله بعضُ قياداته "نقابةً حمراء"، مستغلّاً ضعف الخط الاستقلالي الذي مثّله العاشوريون، نسبةً إلى الزعيم النقابي الراحل الحبيب عاشور، والذي ينتمي إليه الأمين العام المستقيل. وهذه الممارسات النقابية ورثها الاتحاد منذ الستينيّات، حين لاذت به المجموعات السياسية المقموعة الهاربة من السلطة آنذاك.
وقد تسيّست القواعد النقابية تحت تأثير القيادات التي كانت تنتمي إلى تنظيمات سياسية سرّية. وعوض أن يعمد الاتحاد إلى مراجعة هذه العقيدة النقابية حين تحرّر الفضاء العام وأصبح التنظيم السياسي حقّاً مشروعاً، عمدت تلك القوى مرّة أخرى إلى الاحتماء وراء الاتحاد واستغلاله لمعاضدة التيارات السياسية التي ينتمي إليها هؤلاء، من أجل إسقاط الحكومات التي أفرزتها صناديق الاقتراع. ويذكر الأمين العام السابق للاتحاد العام، حسن العبّاسي، أن الاتحاد "عمل جاهداً من أجل ألا تلتقط النهضة أنفاسها". وانتمى الاتحاد إلى تنسيقيات حزبية ومدنية، وظلّ شوكةً في حلق من حكموا. وتشير إحصائيات منظّمة العمل الدولية إلى أن الاتحاد قاد سنة 2013 وحدها أكثر من ثلاثة آلاف إضراب، حتى شلّ البلاد واقتصادها المنهك أصلاً.

أسهمت البنية الهرمية للاتحاد في نمو نزعة قطاعوية كانت أشبه بـ"الطائفية النقابية" التي تمرّدت على المكتب التنفيذي

أمّا الأمر الثاني فيتعلّق بالديمقراطية الداخلية التي يقدّم الاتحاد (منذ عقود) للتونسيين نموذجاً راقياً عنها. ظلّ الاتحاد، على مدى ما يقارب ثمانية عقود، ينتخب هياكله وقياداته في تنظيم هرمي ممتدّ في جميع تراب البلاد. ولم تستطع محاولات الاختراق التي سعت إليها السلطة في الأزمات الحالكة (يناير/ كانون الثاني 1978) وغيرها أن تنتزع الشرعية، إذ لفظتها القواعد النقابية. غير أن هذه البنية الهرمية ساهمت لاحقاً في نمو نزعة قطاعوية كانت أشبه بـ"الطائفية النقابية" التي تمرّدت، في كثير من الأحيان، على المكتب التنفيذي (القيادة النقابية). وظلّ الاتحاد دوماً مرتهناً، في خوض صراعاته مع السلطات، إلى قطاعات مثل التعليم والصحّة والنقل والبريد؛ فهي رمح الاتحاد في صراعاته مع خصومه. غير أن الاتحاد وقع بدوره في ابتزاز هذه القطاعات النقابية الوازنة.
لقد نمت في الاتحاد في السنوات الماضية طموحات واسعة لدى القيادات من أجل تمديد العهدة، وقد تكون الامتيازات الرمزية والمادية وراء هذه النزعات البيروقراطية. حتى جاء تعديل النظام الداخلي للاتحاد، وتحديداً الفصل العشرين الذي أجاز لأعضاء المكتب التنفيذي التمديد في عهدتهم. ولم تكن القيادة تدرك حجم الخلافات التي ستندلع جرّاء هذا التعديل المناهض للديمقراطية التي سنّها الاتحاد. فانطلقت أشكال مختلفة من المعارضات النقابية التي لم تتورّع عن الإشارة إلى مختلف التجاوزات التي ارتكبتها القيادة. وكان هذا المناخ مواتياً لشنّ السلطة السياسية حملات ضدّ القيادات الحالية، مشيرةً إلى فسادها المالي، وهي تهم ردّ عنها الأمين العام بكل تحدٍّ، مصرّاً على نفيها جملةً وتفصيلاً.
باستقالة الأمين العام، يدخل الاتحاد (كغيره من اللاعبين الكبار في عشرية الانتقال الديمقراطي) مرحلةً صعبةً توحي للوهلة الأولى بأنه لن يخرج منها متعافياً.

7962F3C9-47B8-46B1-8426-3C863C4118CC
المهدي مبروك

وزير الثقافة التونسي عامي 2012 و2013. مواليد 1963. أستاذ جامعي، ألف كتباً، ونشر مقالات بالعربية والفرنسية. ناشط سياسي ونقابي وحقوقي. كان عضواً في الهيئة العليا لتحقيق أَهداف الثورة والعدالة الانتقالية والانتقال الديموقراطي.