الاتجاهات المستقبلية للعلاقات الأميركية – السعودية

الاتجاهات المستقبلية للعلاقات الأميركية – السعودية

11 مارس 2021
الصورة

أعلام سعودية وأميركية في الرياض (18/5/2017/ الأناضول)

+ الخط -

سلّط قرار إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، نشر تقرير الاستخبارات الأميركية بشأن جريمة قتل الصحافي السعودي المعارض، جمال خاشقجي، في قنصلية بلده في إسطنبول عام 2018، الضوءَ مجددًا على العلاقات الأميركية – السعودية واتجاهاتها المستقبلية. وفرضت وزارة الخارجية الأميركية عقوبات على 76 مسؤولًا سعوديًّا - من بينهم المتورطون في مقتل خاشقجي وآخرون بسبب تهديدهم لمعارضين سعوديين في الخارج - تتضمن قيودًا على منحهم تأشيرات. كما فرضت وزارة الخزانة عقوبات إضافية على بعضهم. ويؤشر قرار إدارة بايدن السماح بنشر التقرير إلى انتهاجها مقاربة مختلفة في التعامل مع المملكة العربية السعودية عن المقاربة التي اتبعتها إدارة دونالد ترامب. فقد رفض ترامب قرارًا أصدره الكونغرس عام 2019 يُلزم إدارته بنشر التقرير بموجب قانون ماغنيتسكي الذي يُخوّل الولايات المتحدة فرض عقوبات على مسؤولين أجانب، إذا ما قاموا بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتؤكد الإدارة الأميركية الحالية عزمها على "إعادة ضبط" العلاقات بين البلدين. ويتركز النقاش، أميركيًّا، في هذا الصدد، في ما إذا كانت هذه العلاقات قابلة للاستمرار بشكلها الحالي، أم أنها تتطلب صياغة جديدة، فضلًا عن "الموازنة بين القيم والمصالح" في سياسة الولايات المتحدة الخارجية.

أولًا: الإطار العام للعلاقات بين البلدين

قامت العلاقات الأميركية – السعودية، منذ عام 1945، على صيغة يجري عادة اختصارها على نحو غير دقيق؛ هي "معادلة النفط مقابل الأمن". فقد كانت ثمة اعتبارات جيوستراتيجية وغيرها (مثلًا، خلال الحرب الباردة ومواجهة الشيوعية، ولاحقًا في مواجهة الناصرية، وإيران بعد ثورة 1979، ثمّ العراق بعد غزوه الكويت عام 1990). ولم يمنع هذا حصول "هزات" في العلاقة بين الطرفين؛ من ذلك مثلًا الحظر النفطي الذي فرضته السعودية ودول عربية أخرى على الدول الغربية التي أيدت العدوان الإسرائيلي عام 1967، وأيضًا خلال حرب 1973، وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، فضلًا عن خلاف بين الطرفين متعلّق بالموقف من ثورات "الربيع العربي"، وبالاتفاق النووي مع إيران عام 2015.

قامت العلاقات الأميركية – السعودية، منذ عام 1945، على صيغة يجري عادة اختصارها على نحو غير دقيق؛ هي "معادلة النفط مقابل الأمن"

لكنّ العلاقة بين الطرفين شهدت تحسنًا كبيرًا مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم عام 2017، وكان عدم اكتراثه بالقضايا المتعلقة بطبيعة النظم الحاكمة في العالم العربي، وتأكيده على مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية تحديدًا، وراء توجهه إلى السعودية، في أيار/ مايو 2015، في أول زيارة خارجية له للمشاركة في القمة العربية/ الإسلامية – الأميركية. وساهم موقف ترامب المعارض للاتفاق النووي مع إيران، من خلال منطلقات شبيهة بمنطلقات إسرائيل، ثمّ انسحاب إدارته منه عام 2018، في تعزيز التحالف الأميركي - السعودي. وكان لمضاعفة السعودية استثماراتها في الولايات المتحدة، وكذلك لمشترياتها من الأسلحة الأميركية، دور كبير في زيادة الدعم الذي تلقته من إدارة ترامب بشأن الحرب في اليمن، رغم معارضة الكونغرس هذه الحرب، بسبب الكارثة الإنسانية التي ترتبت عليها. ورغم اغتيال خاشقجي في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، رفض الرئيس الأميركي السابق مراجعة العلاقة مع السعودية، بل إنه قام بنقض قرار الكونغرس، في صيف 2019، الذي قضى بفرض حظر على بيع أسلحة هجومية للرياض. 

ثانيًا: "إعادة ضبط" العلاقات

خلال عهد ترامب وقعت السعودية في "فخ" اختزال العلاقة مع الولايات المتحدة في شخص الرئيس والدائرة الصغيرة المحيطة به؛ ما تسبب بحالة من السخط في دوائر المؤسسات الأميركية. وبرز ذلك على شكل انتقادات حادة وغير مسبوقة من الحزبين الرئيسَين، ومن مرشح الحزب الديمقراطي، في ذلك الوقت، جو بايدن، الذي كان قد تعهّد، في حال وصوله إلى الحكم، بـ "إعادة ضبط" العلاقة مع المملكة ومحاسبتها على الحرب في اليمن، ومقتل خاشقجي، وسجلها في مجال حقوق الإنسان.

خلال عهد ترامب وقعت السعودية في "فخ" اختزال العلاقة مع الولايات المتحدة في شخص الرئيس والدائرة الصغيرة المحيطة به؛ ما تسبب بحالة من السخط في دوائر المؤسسات الأميركية

وبالفعل، أعلن بايدن، في مطلع شباط/ فبراير الماضي، قرارًا يقضي بـ "وقف الدعم الأميركي للعمليات الهجومية للحرب في اليمن، بما في ذلك مبيعات الأسلحة ذات الصلة" لكل من السعودية والإمارات، كما أعلن سعيَ إدارته إلى "إيجاد حل دبلوماسي للصراع المستمر منذ ست سنوات"، لأن ذلك "خلق كارثة إنسانية واستراتيجية". وقد أعلنت إدارة بايدن، سابقًا، تعليقًا ومراجعةً لصفقات الأسلحة للبلدين الخليجيين التي أقرتها إدارة ترامب. إلا أن قرار بايدن بشأن الدور الأميركي في حرب اليمن تضمّن استثناءين رئيسَين: الأول، يتعلق بحماية أمن السعودية من "الهجمات الصاروخية، وضربات الطائرات من دون طيار، وتهديدات أخرى من الفصائل التي تسلحها إيران في عدة دول"، وقد شدد، ضِمن هذا السياق، على أنّ إدارته ستواصل "دعم المملكة العربية السعودية ومساعدتها في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها وشعبها". أمّا الاستثناء الثاني، فهو متمثّل بتأكيد أن القرار في اليمن لا يشمل "الجماعات الإرهابية"، مثل القاعدة وداعش، التي ستستمر الولايات المتحدة في استهدافها "حمايةً لأمنها الداخلي وللمصالح الأميركية في المنطقة ومصالح حلفائها وشركائها". إذًا، ما زالت ثمة أُسس للشراكة وقضايا يلتقي فيها البلدان. ولكن إذا كان تحالف ترامب مع السعودية غير مشروط إلا بالمال، فإن التحالف في عهد بايدن لم يعُد تحالفًا غير مشروط. 

وفي السادس عشر من شباط/ فبراير، أعلنت الناطقة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، أن الولايات المتحدة "ستعيد تقويم العلاقة مع السعودية"، وأنّ أحد تعبيرات ذلك هو أنْ يتحدث الرئيس "مع نظيره الملك سلمان". وفي الخامس والعشرين من الشهر نفسه، أي قبل يوم واحد من نشر تقرير الاستخبارات الأميركية، تحدث بايدن مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز. وكان لافتًا في بيان البيت الأبيض أنه وصف العلاقة مع المملكة بـ "الشراكة الطويلة الأمد"، لا بالتحالف. وفي الوقت نفسه، كان واضحًا أن البيت الأبيض حرص على تأكيد أسس العلاقة الجديدة ضمن مساعي إعادة ضبطها؛ إذ أكد البيان أن المحادثة ناقشت "الأمن الإقليمي، بما في ذلك الجهود الدبلوماسية المتجددة بقيادة الأمم المتحدة والولايات المتحدة لإنهاء الحرب في اليمن، والتزام الولايات المتحدة بمساعدة المملكة العربية السعودية في الدفاع عن أراضيها، في الوقت الذي تواجه فيه هجمات من الجماعات المتحالفة مع إيران". وأكد أيضًا على ارتياح الرئيس لقرار الإفراج عن بعض الناشطين السعوديين من حملة الجنسية الأميركية والناشطة لجين الهذلول، كما شدد على "الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لحقوق الإنسان العالمية وسيادة القانون". 

ثالثًا: الموازنة بين "القيم" والمصالح

على غرار إدارات أميركية سابقة، يتنازع إدارة بايدن اتجاهان متناقضان ضمن سعيها لإعادة ضبط العلاقة مع السعودية. الأول، ينادي بالواقعية السياسية للحفاظ على المصالح الأميركية في المنطقة والعالم، ويدعو إلى الحفاظ على التحالف الأميركي - السعودي. أما الثاني - وهو حقوقي – فيدعو إلى أخد القيم التي تجسدها الولايات المتحدة، على الأقل، في الاعتبار (مثل حقوق الإنسان)؛ ومن ثمَّ، فإنه يدفع إلى اتجاه إعادة تقويم العلاقة الأميركية – السعودية على هذا الأساس.

1. الاتجاه الواقعي

يرى أنصار هذه التوجه أن موقع السعودية الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وثروتها الضخمة، ومواردها النفطية، ومكانتها في سوق الطاقة العالمي، كلّها عوامل تحتّم الحفاظ على التحالف الاستراتيجي معها. واستنادًا إلى هذه المقاربة، فإن للولايات المتحدة والسعودية جملة من المصالح المشتركة؛ منها الحفاظ على استقرار أسواق النفط، ومكافحة الإرهاب والتطرف، خصوصًا بعد أن أصبح الحُكم في السعودية يروّج لصيغة تراها الولايات المتحدة أكثر اعتدالًا للإسلام، ولقيم مجتمعية أكثر انفتاحًا، فضلًا عن التصدي لإيران واحتواء نفوذها في المنطقة. ويشير هؤلاء، أيضًا، إلى أن السعودية يمكنها أن تسهم في الاستقرار الإقليمي؛ ومن ذلك الدفع إلى اتجاه تحقيق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات النووية، وإنهاء حرب اليمن. 

ما زالت الولايات المتحدة تُقدّم مصالحها الجيوستراتيجية حتى إن حاولت، تحت إدارة بايدن، إعطاءَ أهمية أكبر لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان

ويحذّر أنصار هذا الاتجاه من الانسياق وراء المعطى القائل إنّ الولايات المتحدة، بوصفها أكبر منتج عالمي للنفط حاليًّا، لم تعُد معتمدة على استيراد النفط؛ ما ينفي الحاجة إلى استمرار التحالف على الأسس القديمة نفسها، ويشددون على أن السعودية تبقى أكبر مصدر للنفط في العالم، وأنها تملك نفوذًا كبيرًا بشأن استقرار الأسعار، كما أنها أكبر مصدر للنفط إلى الصين، منافس الولايات المتحدة الرئيس، ثمّ إنّ أي فراغ في المنطقة سيقود إلى تحولات جيوستراتيجية عميقة؛ في المنطقة نفسها، وسائر أنحاء العالم أيضًا، ومن ثمّ ستحاول كلّ من الصين وروسيا مَلْأه، وهو ما يبيّنه كلّ من الدور الروسي في سورية، والنفوذ الصيني المتزايد في إيران. ويضيف هؤلاء أنّ القيادة العالمية تتطلب شراكات قوية في كل منطقة، بغضّ النظر عن وجود قيم مشتركة أو غيابها. ويقولون إنّ السعودية تُعدّ حليفًا مثاليًّا، إذ إنها تملك إمكانات مالية كبيرة؛ ما يجعلها غير معتمدة على مساعدات أميركية، على عكس دول أخرى في المنطقة، كالأردن ومصر، مثلًا. كما أنّها قادرة على دفع المال مقابل التسلح، أو مقابل توفير الحماية العسكرية الأميركية. 

1. الاتجاه الحقوقي

يرى أنصار هذا الاتجاه أن مصالح السعودية غالبًا ما تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة، كما أنّ منظومتَي قيمهما نادرًا ما تتوافقان؛ ولا سيما في مجال حقوق الإنسان، وأنّ السعوديين - بدلًا من الإسهام في الدفع تجاه أولويات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط - كثيرًا ما عملوا على تعقيد الأوضاع، والتقليل من إمكانية تحقيق تلك الأولويات. ويشدد هؤلاء على أن سياسات السعودية، خصوصًا في السنوات الأخيرة، عززت نفوذ إيران بدلًا من تقليصه، كما حصل بشأن حصار قطر مثلًا. ثمّ إنّ الحملة العسكرية التي أطلقتها في اليمن، عام 2015، لم تهزم حليف إيران هناك، أي الحوثيين، بل تسببت بكارثة إنسانية ورسخت النفوذ الإيراني فيه، كما فشلت السعودية في التصدي للنفوذ الإيراني في لبنان وسورية والعراق. ويرى هؤلاء أن الولايات المتحدة لم تعُد في حاجة إلى النفط السعودي. ويرون أيضًا أنّ السعودية لم تعُد تثق بالولايات المتحدة لضمان أمنها، رغم أنها تُنفق مليارات الدولارات سنويًّا مقابل أسلحة أميركية. كما يرون أنه حتى إنْ ظلّت السعودية مهمّة لدى المصالح الأميركية في المنطقة، فإن هذا الأمر لا ينبغي أن يحصّنها من النقد، خاصةً في ما يتعلق بانتهاك حقوق الإنسان. ويخلص هؤلاء إلى أنّ التحالف الأميركي – السعودي القائم حاليًّا أصبح مكلفًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة وعبئًا عليها أيضًا 

 

خاتمة

تُدرك إدارة بايدن كل هذه التعقيدات، وهي تحاول تحقيق نوع من التوازن بين القيم التي تزعم أنها تمثّلها والمصالح الأميركية في المنطقة. من هنا، فإنها سمحت بنشر تقرير الاستخبارات الأميركية حول جريمة اغتيال خاشقجي، وفرضت عقوبات هامشية، إلى حد بعيد، على عدد من المسؤولين السعوديين، من دون أن يشمل ذلك من أكد التقرير مسؤوليته المباشرة عن الجريمة، بذريعة أن الولايات المتحدة لا تعاقب قادة الدول التي لها معها علاقات دبلوماسية. وبناءً عليه، فإنّ ما تقوم به إدارة بايدن هي محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع السعودية وليس محاولةً لتفكيكها. بعبارة أخرى، ما زالت الولايات المتحدة تُقدّم مصالحها الجيوستراتيجية حتى إن حاولت، تحت إدارة بايدن، إعطاءَ أهمية أكبر لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.