الإيغور ذاك الشعب المنسي

الإيغور ذاك الشعب المنسي

10 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

الشجاعة لا يمتلكها كل الرجال، والرجولة لا يمتلكها كل الذكور، لكن رجلا شجاعا استطاع الانتصار على نفسه، كسر َ حاجز الخوف، واجتاز حائط الصمت المطبق على غيره، فنطق وتكلم، في برنامج تلفزي فرنسي، وعيناه مغرورقتان بالدموع: "يوم الجمعة كانوا يجبروننا على أكل لحم الخنزير، وكانوا يرغموننا على إنشاد النشيد الوطني الصيني كل صباح، ووجوهنا مدارة إلى الجدار. كم عانينا من الإهانة والإساءة، وكم قاسينا من الضرب والتعذيب، وكم كابدنا من الأشغال الشاقة! وعليه، يجب التحرّك وبسرعة لإنقاذ حياة عديدين من الناس، فقط ليعيشوا مثل جميع الناس بشكل طبيعي وبكرامة، من دون إذلال ومهانة". إنه أومير بيكالي، أحد الناجين من معسكرات الاعتقال الصيني المسمّاة مخيمات إعادة التربية والتعليم. حسب منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش، أكثر من مليون شخص من الإيغور مرّوا بهذه المخيمات المهيأة رسميا لمكافحة الإرهاب والتطرّف الإسلامي والنزعة الانفصالية، لكنها في الحقيقة مراكز تقوم بعملية غسل دماغ جماعي. ولا تقف عند هذا الحد، بل هي عملية اضطهاد، إن لم نقل إنها عملية إبادة جماعية في حق شعب كامل، تتم في صمت كبير وتواطؤ عظيم وتعتيم إعلامي، حيث إن أغلب الذين نجوا وخرجوا من المعتقل يفضلون الصمت خشية الانتقام منهم، ومخافة تعريض ذويهم للخطر الداهم من أقوى ديكتاتورية في العالم، فلا يملك الجرأة إلا القليل النادر.

مخيمات صينية مهيأة رسميا لمكافحة الإرهاب والتطرّف الإسلامي والنزعة الانفصالية، لكنها مراكز تقوم بعملية غسل دماغ جماعي

على منوال أومير بيكالي، سطرت المهندسة غولباهار هاتيواجي في كتابها "ناجية من الغولاغ الصيني" الذي صدر في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، جزءا من قصتها ومعاناتها، فبعد تلقيها مكالمة من شركتها السابقة تطلب منها المجيء إلى الصين، لإمضاء أوراق تتعلق بتقاعدها، راحت ووقعت في فخ السلطات الصينية، ووجدت نفسها في زنزانة، وبقيت مسجونة طوال ثلاث سنوات من 2016 إلى 2019 عندما أطلق سراحها، بعد أن حكم عليها بسبع سنوات سجنا نافذة، بعد تدخل من السلطات الفرنسية باعتبارها لاجئة سياسية، وخصوصا بفضل الحملة الإعلامية التي قادتها ابنتها من باريس، لم تكن هذه السيدة لتنجو بنفسها لولا ذلك.

روت في كتابها كيف يتم إعطاء لقاح للنساء، ليكتشفن بعد ذلك غياب الدورة الشهرية، وكيف أنهن أصبحت عقيمات. تحكي كيف تعرّضت، مثل باقي السجينات، إلى عمليات غسل الدماغ، ومنعهن من الحديث بلغتهن الأصل، تقصّ كيف كانت الكاميرات تراقبهن، حتى في المراحيض، وتتابع خطواتهن في كل مكان. هي مأساة كبيرة تضرب هذا الشعب منذ زمن، فهي ليست وليدة اليوم ولا الأمس، ففي تقرير بثته في 8 أغسطس/ آب 1999 القناة الفرنسية الثانية، ويمكن الاطلاع عليه في أرشيف موقع المعهد الوطني السمعي البصري الفرنسي، أجرت مجلة جيوبوليس دراسة استقصائية عن حالة الإيغور، وعن معاناتهم من قمع النظام الصيني، وفضحت بعض الممارسات اللاإنسانية، من قبيل فصل الإيغوريات وإبعادهن عن أزواجهن، القيام بالتعقيم الإجباري قصد منعهن من الحمل، وإذا حصل يتم إجبارهن على الإجهاض، ورمي الأجنة في القمامة، في محاولة يائسة وبئيسة لتخفيض نسبة سكان هذا الشعب المسلم، وتغيير التركيبة السكانية للمنطقة، وفي مسعى إلى طمس ثقافة هذا الشعب الذي يكتب لغته بالحروف العربية، وعدد سكانه حوالي 25 مليون نسمة، نصفهم في الصين في منطقة تتوفر على عديد من الموارد الطبيعية، مثل الغاز، والبترول، والفحم، واليورانيوم.

مثال الإيغور فاضح لأنظمة لا تسمح بحرية الفكر ولا حرية الاعتقاد، فكيف بحرية معارضة سياستها ونقدها

هي، إذن، مقاطع صغيرة من فيلم رعب مطول، يشارك فيه مئات آلاف من مسلمي الإيغور، وهي لقطات صغيرة من مسلسل طويل، لا تزال حلقاته تسجل كل يوم، في تجاهل تام، بل بتآمر من بعض الأنظمة العربية والإسلامية، إذ يكفي رفع شعار مواجهة الإرهاب والتطرف الإسلامي ومحاربتهما، لتنضم دول عديدة إلى قافلة المنوهين والمؤيدين، فهو أمر مجمع عليه، وأصبح شماعةً تعلق عليها كل سياسات الاستبداد والتسلط. وقد فطنت الأنظمة المستبدة لهذا الأمر، فجعلته (هذا الشعار) غطاء لتبرير أفعالها المنافية لأبسط حقوق الإنسان، وما الصين إلا مثال واحد من بين أمثلة عديدة. ومثال الإيغور فاضح لأنظمة لا تسمح بحرية الفكر ولا حرية الاعتقاد، فكيف بحرية معارضة سياستها ونقدها. هي أنظمة تزداد عتواً ويزيد طغيانها كلما ازدادت قوتها الاقتصادية. تدري أن لا أحد يجرؤ على انتقادها، وإذا انتقد فلحفظ ماء الوجه، لأنها تعلم حق اليقين أن منطق المصالح التجارية يغلب على منطق المبادئ وحقوق الإنسان.