الإمبراطورية الخرفة

11 يناير 2026

(Getty)

+ الخط -

تسقط الجمهوريات وتصعد الإمبراطوريات في "حرب النجوم"، لا لأن "السيث" أقوى، أو لأن "الدارك سايد" أكثر دهاء، بل لأن الذاكرة أضعف. النسيان هو البطل الخفيّ في كل ملحمة إمبراطورية. نسيان يصيب الشعوب حين يطول السلام، فتُروَّض على الشك في جدوى الحق والقانون، وتحنّ إلى البطش الحاسم، وتكفّ عن رؤية الافتراس الكانيبالي بوصفه شرّاً صريحاً، لتراه ضرورة عقلانية أو شرّاً أقل. يتزامن التمدّد الإمبراطوريّ خارج الحدود مع صعود اليمينٍ الشعبويّ داخلها. ثنائيّات لم يكن أوّلها الاستعمار والنازية، ولن يكون آخرها الإمبريالية الأميركية والصهيونية العالمية، بدعمِ أنظمةٍ متخاذلةٍ تُيسّر تدمير النظام العالميّ وتقويض إنسانية الإنسان.

يحدث ذلك دوريّا كلّ مائة عامٍ تقريباً، حين يكون الحكماء قد اختفوا، لا لأنهم هُزموا عسكريّاً، بل لأنهم فشلوا أخلاقيّاً في إقناع العالم بألاّ توازُنَ بالقوة. عند هذه العتبة يظهر تحالف عسكريّ تكنولوجيّ يقول إنه ليس إمبراطورية بل حلٌّ مؤقّت للفوضى. غير أن المؤقّت، كما علّمتنا التجربة، يدوم طويلاً، قرناً آخر وربّما أكثر. هكذا تنزل السينما مرّةً أخرى من الشاشة إلى الواقع مع "إنجازات" ترامب أخيراً: مساندة مجرم حرب في حرب إبادة، إطلاق سراح تاجر مخدّرات، اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، وربّما "أمركة" جزيرة. المشهد مألوف، لكن السياق أخطر، لأن الإمبراطورية هذه المرّة لا تعاني فقط من النسيان، بل من شيء أعمق: الخرَف.

لا علاقة لاختطاف مادورو بالحرب على المخدّرات ولا بالدفاع عن الديمقراطية، مهما كان الموقف من طبيعة النظام الفنزويلي. التاريخ لم يسجل يوماً نظاماً نظيفاً أو ديمقراطياً زُرع من خارج وعي الشعب ومن خارج حدوده. هذه السردية ليست سوى ستار لإخفاء البترودولار ورائحة النفط والموارد النادرة، وإسباغِ شرعيّةٍ على فعلٍ لاشرعيّ. وهي، في الوقت نفسه، فتحٌ لعلبة باندورا، حيث يصبح الافتراس حقّاً مكتسباً لكل من يمتلك القوة. والحقّ أنّ هذه العربدة الإمبراطوريّة ليست بدعة في تاريخ أميركا ولا في تاريخ العالم. إنها إعادة طباعة رديئة لفصل قديم احترق مراراً ثم أُعيد إخراجه كلما أصيب العالم بفقدان الذاكرة. الجديد اليوم أن هذه الإعادة لا تصدُر عن إمبراطورية واثقة بنفسها، بل عن إمبراطوريةٍ مُنهَكةٍ تُعيد الأفعالَ نفسها دونما وعيٍ بسياقها، كمن يعيد طرح السؤال نفسه لأنه نسي الإجابة. نحن لسنا هنا أمام نسيانٍ عابرٍ، بل أمام ذاكرة مثقوبة وسلوك قهريّ وعجز عن التعلّم من النتائج.

لا يظهر الإمبراطور حين تكون الذاكرة حيّة بل حين تَنسى البشريّة وعدها لنفسها: "لن يتكرّر هذا أبداً". وهذا النسيان يحتاج إلى خرف كي يُخيَّل إلى الإمبراطوريّات أنّها "خالدة" وأنّ مآلها ليس السقوط. في هذا السياق، لا يحبّ التاريخ المفاجآت. إنّه يتكرّر متظاهراً بأنّه يكره التكرار. يختبر صبر الضحايا ليرى إلى أيّ حدٍّ يمكّنهم تصديق الأكذوبة نفسها. في مثل هذه اللحظات، ظهرَ "مبدأ مونرو" عام 1823، وظهر نتنياهو وترامب وبوتين وبيادقهم هذه السنوات. لكأنّ التاريخ لا يملّ العودة إلى حجّة القوّة، بعد أن يعلّق خسائره على قوّة الحجّة، متّهماً أنصارها بالطوباوية. وذلك لأنّ العالم لا ينحاز إلى قوّة الحجّة لأنّه نضج أخلاقياً، بل لأنّه جرّب القوّة حتى الثمالة وخرج منها مترنّحاً. من هذا الترنّح، وليس من التفكُّر والتدبّر، وُلدت القوانين الدوليّة وحقوق الإنسان والأمم المتحدة. ولم تكن انتصاراً للعقل بقدر ما كانت هدنة تُمنح للغرائز كي تستعيد أنفاسها وتعود إلى العربدة. وكلّما طال السلام نسبيّاً، وابتعدت الأجيال الجديدة عن صوت المَدافع، عاد الإغراء القديم: لماذا لا نجرّب القوّة مرّة أخرى؟ هذه المرّة لدينا تكنولوجيا أدقّ وخطاب "إنسانويّ" أكثر ذلاقة!

أمام هذا الخوَر تصمت أنظمةٌ خوفاً وتصرخ أخرى بداعي الخوف نفسه. أمّا الشعوب فإلى انقسام كعادتها: يفرح بعضهم كراهيةً في النظام، ويحتجّ آخرون دفاعاً عنه، وهناك من ينتفض من أجل المبدأ، ويحتدم الجدل بين نظرية المؤامرة ونشوة الانتقام. وفي الانتظار، قلّةٌ تدرك أنّ البشريّة بصدد حصاد نتائج الصمت والتواطؤ مع الجريمة، وأنّ ما يحدث إعلانٌ آخر عن أرمجدون: لم تعد القوّة بحاجة إلى بروتوكول، ولم يعد الضعف يُقاس بغياب القوّة، بل بقابليّة الرمز للاختطاف قبل الجسد. تلك هي تحديداً مقدّمات انهيار الإمبراطورية، حين تنتقل من مرحلة النسيان إلى مرحلة الخرَف.

شاعر تونسي ومترجم من الفرنسية.
آدم فتحي
شاعر تونسي ... وشاعر غنائي ومترجم من الفرنسية.