الإعلام لاعب وليس ملعباً

الإعلام لاعب وليس ملعباً

18 يناير 2022
+ الخط -

في غمرة هجوم الثورة المضادّة الشامل على مكتسبات الربيع العربي، وما صاحب ذلك من قمع وترهيب طاولا مختلف مكونات هذه الظاهرة الفريدة في بلاد العرب، كان الإعلام يتقدّم قائمة المستهدفين، وبدا، بمختلف أدواته ومفرداته، العدو رقم واحد للمستبدّين بطبعتيهما، القديمة والمنقّحة، ومكسر عصا لأجهزة الانقلابيين على ربيع الحرية والكرامة، إلى الحد الذي صارت فيه المعركة على حرية التعبير والديمقراطية من لوازم نجاح الثورة المضادّة، التي حققت معظم غاياتها على كل الصعد، عدا الصعيد الإعلامي.
مناسبة الحديث مجدّداً عن الحربين، الخفية والمعلنة، ضد الإعلام، مشاهد قمعية جديدة، مماثلة لتلك الغزوات الإنكشارية السابقة على دور الصحافة والصحافيين والمراسلين، وإن كانت هذه الغزوات أقل فجوراً مما كان عليه الحال في الماضي القريب، وذلك على نحو ما جرى ويجري في كل من السودان وتونس، وغيرهما من الأمصار التي تشهد محاولات متكرّرة لإسكات الإعلام وتطويعه، أو تدجينه على أقل تقدير. 
يغيب عن أذهان هؤلاء المفطورين على القمع والإخضاع أن الإعلام المستقل لا يصنع حدثاً ولا يقرّر سياسة، وإنما يلحق بهما دائماً، أو يواكبهما في أحسن الحالات، ولا يتقدّم عليهما خطوة واحدة، حرصاً على الموضوعية ودرءاً للارتياب، سيما وأن العلاقة بين صانعي السياسات ومتخذي القرارات من جهة، والإعلام من جهة ثانية، لم تكن على ما يرام أصلاً، خصوصا في زمن الأزمات الداخلية والإخفاقات، حيث يلقي السياسيون باللائمة على "الإعلام المغرض" ويرمون التبعات على الإعلاميين، بل ويحمّلونهم وزر تفاقم الموقف وخروجه عن السيطرة.
كما يغيب عن وعي المستبّدين أيضاً أنّ تعديلاً جوهرياً جرى تحقيقه على نحو تراكمي متدرّج، في زمن لاحق على تلك العلاقة التاريخية غير المتكافئة، والمشحونة بالشكّ بين الطرفين، انتزع الإعلام خلالها مكانة أكثر ندّية، شبّ عن الطوق، وأملى على السلطات الحاكمة بناء هيكل اتصال موضوعي مع الإعلاميين الملومين المذمومين هؤلاء، قوامه الاحترام وتحاشي الاشتباك، وقاعدته الاعتراف بالأهمية والاختصاص وحدود الدور لكلا الجانبين.
 في خضم هذا السجال بين الحكّام والمحكومين، كسب الإعلام، بما في ذلك الحرّ لدى دول العالم الثالث، نقاطاً إضافية لصالحه، واستردّ شيئاً فشيئاً قدراً أكبر من صفته لاعباً رئيساً في لعبة الرأي العام، إن لم نقل لعبة الحياة ذاتها، إذ باتت له سلطة كاملة تكاد توازي السلطات الثلاث الأخرى، واستحقّ بجدارة لقب السلطة الرابعة، جنباً إلى جنب مع السلطات التقليدية الثلاث، وذلك كله بحضورٍ كامل الأوصاف، وبفاعلية شديدة المضاء، انتفت في غضونها تلك العلاقة الزبائنية السابقة مع أصحاب سلطات القمع والقهر والاستتباع.
في غمرة ثورة الاتصالات الإلكترونية المتعاظمة، وانفجار ثورة المعرفة، أخذ الإعلام يستقطع لنفسه مساحة أوسع من حيّز الملعب الذي كانت تتزاحم على رقعته المحدودة سائر السلطات، وتتنافس في فضائه دوائر صانعي القرارات، بل وانتزع الإعلام، بحُسن أدائه، مركز الصدارة في أغلب الجولات، وبات خارج نطاق السيطرة المعهودة، والتحكّم المسبق بالصورة الذهنية المرغوب بها، وبالرسالة مسبقة الصنع المبثوثة على الملأ، وبسائر المخرجات، فتحوّل من ملعب مستباح إلى لاعب صانع للأهداف، وأحياناً إلى حكم دولي موثوق به.
ولمّا كانت المعركة في زمن الفضاءات المفتوحة، وعصر القرية الكونية الصغيرة، تدور أساساً على كسب الرأي العام لكسب الشرعية واستعادة الاحترام، وتحتدم النزاعات بين الدول والقوى المتصارعة داخلياً، بشأن مصداقية هذه الرواية أو موثوقية ذلك الخطاب، فقد باتت الاشتباكات الدائرة على شاشة التلفزيون أهم من المعركة الميدانية الجارية على الأرض، وصار العالم الافتراضي أرجح وزناً وأشد بلاغة من الواقع الحقيقي في أغلب الاحيان، الأمر الذي جعل من الإعلام، بوسائله المختلفة، سلاحاً لا يقلّ فتكاً عن أسلحة الحديد والنار.
قد تكسب قوى الاستبداد معاركها ضد قوى الحرية والعدالة والتعدّدية والانفتاح، وقد تتمكّن من كبح جماح التغيير السلمي والانتقال الديمقراطي، ولو إلى حين قد يقصر وقد يطول، إلا أن الدكتاتوريين والطغاة والفاسدين لم يستطيعوا، في أي يوم مضى، ربح حروبهم العبثية ضد الإعلام، وخرجوا منه بسواد الوجه على طول الخط، ولم ينجحوا مرّة واحدة في إسكات دوي هذه الآلة الهائلة، أو إيقاف عجلتها عن الدوران، فقد ظل الإعلام المستقل عصياً على المصادرة والمنع والتطويع، وبات خارج قدرات الانقلابيين على الترويع، وبقي شوكة في حلوق مدّعي الانتصار على شعوبهم، لا يملكون علاجاً له سوى التهرّب والإنكار.