الإسلام في فرنسا بين العلمنة والدنيوية

19 أكتوبر 2020
الصورة

مسلم يصلي في مسجد باريس (10/10/2001/Getty)

+ الخط -

أن يوضع النقاش السياسي في فرنسا بشأن العلمانية والإسلام في دائرة الاستغلال الانتخابي فهذا نوع من التبسيط وإعماء لإشكالية العلاقة بين الدين والسياسة التي وسمت التاريخ الفرنسي، وما تزال تسم حاضره.
صحيح أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، جعل توقيت طرحه مشروع مكافحة الانفصالية الإسلامية يتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات، كما فعل نيكولا ساركوزي في أثناء ترشحه لولاية رئاسية ثانية عام 2011، عندما دعا إلى نقاش حول الإسلام، لكن توقيت الطرح لا يلغي عمق الإشكالية القائمة التي تتجاوز المسألة الانتخابية، بل على العكس، إن طرح مسألة الإسلام بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الفرنسية مؤشّر على خطورة الإشكالية وديمومتها.
في عام 1989، طرد مدير إحدى المدارس الثانوية قرب باريس ثلاث طالبات مسلمات بسبب ارتدائهن الحجاب. وفي 2003 تشكلت لجنة عرفت باسم لجنة ستازي للنظر في مسألة الحجاب، وانتهى الأمر عام 2004 بإصدار تقرير يمنع لبس الحجاب في المدارس العمومية. حدث الأمر نفسه بين عامي 2009 و2010، حين أوصت لجنة برلمانية مخصصة للنظر في موضوع ارتداء النقاب بمنع النقاب في الفضاء العمومي، الأمر الذي أدّى إلى ظهور أوساط معارضة من الوسط العلماني لهذه الخطوة، تحت عنوان رفض تدخل الدولة في الفضاء العام أو المجال العام، بعكس ما جرى مع لجنة ستازي عام 2004، حيث كان المنع داخل مؤسسات الدولة (المدارس العمومية)، لكن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية فرض على البرلمان التصويت لمشروع القانون.
ومن المهم التأكيد على أن توصيات لجنة ستازي بمنع الحجاب في المدارس العمومية، وتوصيات لجنة النقاب بمنع النقاب في المجال العام، لم تندرجا تحت عباءة العلمانية، كما ذُكر في تقريري اللجنتين، وإنما باسم الدفاع عن النظام العام. ما يشير إلى أن وجود تفاهم بين اليمين واليسار الفرنسي حيال تطبيق علمانيةٍ مرنةٍ تجاه الكاثوليك والبروتستانت وعلمانية صلبة تجاه المسلمين، وهي خطة عمل بدأت مع الرئيس شيراك ثم ساركوزي والآن مع ماكرون. السبب في ذلك أن ثمة هاجساً هوياتياً بدأ يهيمن على الثقافة السياسية الفرنسية، عبّر عنه رئيس حزب الجمهوريين، فرانسوا باروان، عام 2011 حين قال إن رهانات العلمانية قد تغيرت، فلم تعد تتعلق بالصراع بين الدولة والكاثوليكية، بل أصبحت تتعلق بالدائرة الثقافية والهوياتية.

طرح مسألة الإسلام بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الفرنسية مؤشّر على خطورة الإشكالية وديمومتها

ليست المسألة مرتبطة بحفاظ المسلمين الفرنسيين على هويتهم الإسلامية، ولا هي في عدم تقبلهم مفاهيم العلمانية وقوانينها فحسب، بل تتعلق بنمط معين من العلمنة الفرنسية أو "الدنيوية" التي تخلط بين مبادئ العلمانية وإجراءاتها الأداتية، بحسب الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور. وثمّة مستويان لنقاش مسألة العلمانية الفرنسية، من الضروري التوقف عندهما:
أولا، الإدماج المدني: تتميز الدول الديمقراطية ـ الليبرالية ـ العلمانية في الغرب بأنها تفصل الدين عن الدولة، وتجعل الأخيرة محايدة تجاه الضمير، فأساس العلمانية هو حرية الضمير التي هي أوسع من الحرية الدينية. لا تتدخل الدول، خصوصا الدول ذات النمط الأنغلوساكسوني في الهويات الفردية والجماعية، طالما لا تهدّد البنية الاجتماعية والنظام السياسي، وهي تميز بين العلمانية نظاما سياسيا والدنيوة دينامية اجتماعية. الأولى من اختصاص الدولة عبر فرض القوانين اللازمة، والثانية تتبع صيرورة التطور الاجتماعي دون تدخل الدولة. وفي فرنسا، وبسبب الإرث التاريخي الدموي مع الكنيسة الكاثوليكية، وبسبب العقلية السياسية ـ الثقافية التي تماهي بين الجمهورية والعلمانية، جرت عملية إدماج مدني قسرية خلال القرنين الماضيين لتحقيق هوية مدنية مشتركة، مع ما يتطلبه ذلك من عدم المجاهرة بسمات الهوية التي تفرّق، ومنها الدين والعرق. وعند هذه النقطة، تتمظهر المشكلة، كيف يمكن علمنة المسلمين في فرنسا، أو جعلهم يندمجون في المجتمع الفرنسي، ويتخلون عن الحالة الانفصالية، ويتقبلون مبدأ العلمانية؟ ففي حين نجحت الجمهورية في تطويع الكاثوليك بعد صراعات دموية طويلة، تبدو الدولة عاجزةً عن فعل ذلك حيال المسلمين.

في 2003 تشكلت لجنة عرفت باسم لجنة ستازي للنظر في مسألة الحجاب، وانتهى الأمر عام 2004 بإصدار تقرير يمنع لبس الحجاب في المدارس العمومية

يوجد طرحان لهذه الإشكالية: يكتفي الأول بتطبيق مبادئ العلمانية المصاغة في الدستور والقانون، من دون تدخل الدولة في الحيز الخاص للفرد، أو إجباره على تحديد سلوكياته الدينية في الفضاء الاجتماعي. ويستند هذا الرأي إلى صيرورة العلمانية التاريخية التي تعاملت على هذا النحو مع المهاجرين المتثبتين بالكاثوليكية، حيث تركت مهمة إحداث تغيير تدريجي في موقفهم، لمفعولات الصيرورة الزمنية. كما يستند إلى إحصائيات عينية، حيث لاحظت رابطة حقوق الإنسان أنه حصل داخل أوساط الفتيات في فرنسا المُنحدرات من الهجرة ارتفاع نسبة اللواتي تابعن الدراسات العليا، وكذلك عدد المستقلات ماليا، بينما انخفضت نسبة خصوبة النساء، وهي عوامل تساهم جميعا في إرساء الدنيوية، ولذلك، فإن ارتداء النقاب دليل في المقام الأول على حركة انكماش في مواجهة الدنيوية. من هنا، يركز هذا التيار على ضرورة التمييز بين تصرفات فئات اجتماعية لم تخضع لعملية دنيوية عميقة وفئات أخرى خضعت لمثل هذه العملية على مدار تاريخ طويل.
الطرح الثاني، وهو المهيمن، ينادي بفرض الدنيوية بواسطة العلمانية، وضرورة حصر الدين داخل الدائرة الحميمية، ورفض حق الفرد في إظهار معتقده الديني في الفضاء العام، وتحييد الفضاء العام وإخلائه من كل تعبيرات دينية. ويميل إلى هذا الطرح اليسار واليمين المتطرّف: واحد باسم الأيديولوجيا الجمهورية، والآخر باسم الخوف من الهجرة. وفي الحالتين، تعوض السلطة الدين القائم بفلسفة أخلاقية علمانية معادية للدين، فتؤسّس بذلك نظاما من المعتقدات الميتافيزيقية والأخلاقية. ومن الغريب أن هذه الرؤية للدنيوية تتعارض مع القانون الرئيسي للعلمنة الذي صدر عام 1905، بتأكيده على حرية الضمير والممارسة الحرة للعبادات، وإمكانية التعبير عن مظاهرها الخارجية في الطريق العام.

طرح ينادي بفرض الدنيوية بواسطة العلمانية، وضرورة حصر الدين داخل الدائرة الحميمية، ورفض حق الفرد في إظهار معتقده الديني في الفضاء العام

ويتماشى الطرح الأول مع الدولة العلمانية دولة محايدة إزاء حرية الضمير، في حين يخالف الطرح الثاني مبادئ العلمانية حول احترام مبدأ المساواة الأخلاقية بين أفراد المجتمع وحماية الحق في حرية الضمير.
علمنة النظام السياسي هي المسار الذي تعزز الدولة بفضله استقلالها تجاه الدين، في حين تتطلب علمنة المجتمع التقليص التدريجي من تأثير الدين في الحياة الاجتماعية، وفي سلوك الأفراد، الأول فعل سياسي واع، والثاني دينامية اجتماعية خاضعة لصيرورة التطور. هذا هو الفرق بين فرنسا والولايات المتحدة على سبيل المثال، فالعلمانية في الولايات المتحدة هي، في المقام الأول، قضية حقوق فردية أكثر من كونها عقيدة شاملة، قامت لتحدّد إطار الحياة، كما هو الحال في فرنسا. ويتضح البعد الليبرالي في الأيديولوجيا العلمانية الأميركية، فيما يتضح البعد الجمهوري في الأيديولوجيا العلمانية الفرنسية.
ثانيا: الحيز العام والحيز الخاص: يصعب في فرنسا إجراء فصل بين الحيز العام/ الفضاء العمومي والحيز الخاص/ الفضاء الحميمي بخلاف البلدان الديمقراطية ـ العلمانية الأخرى... ثمّة خلاف بين فرنسا والدول العلمانية الأخرى، مثل إنكلترا والولايات المتحدة وكندا، بشأن تعريف المجال العام، ففي فرنسا لا يُدرج الفضاء العمومي للمجتمع المدني ضمن الفضاء الخاص، فلكل فضاءٍ مجاله. المدرسة والجامعة تندرجان ضمن الفضاء العمومي، لا الخصوصي، وهذه رؤيةٌ تختلف عن الموقف الذي يدمج الفضائين، وينحصر المجال العمومي في مؤسسات الدولة التي تتطلب الحياد القيمي، وهذا هو السبب الذي يجعل أميركا على سبيل المثال تسمح بارتداء الحجاب في المدارس العامة، ولا تسمح به فرنسا.
تشترك فرنسا مع الدول الأوروبية في الفوبيا من الإسلام، وتشترك معها أيضا في مسألة الخوف من الهجرة الإسلامية، لكن الدول الأخرى لم تتبع سياساتٍ تعسفيةٍ حيال المسلمين في بلدانها، والسبب أنها تنظر إلى العلمانية مبدأ حياديا تجاه معتقدات المواطنين وقيمهم، وهي تدافع عن حقهم في المساواة، وعن حريتهم في تحقيق غاياتهم. وبهذه الصفة، تكون الدولة منحازةً لفكرة المساواة بين المواطنين واستقلاليتهم، فهي تمنحهم فرصة التخطيط لحياتهم.
أما في فرنسا، وبسبب وجود أيديولوجيا علمانية مسكونة بهاجس الدين، فإن هدف العلمنة هو تحرير المواطن من الدين. وهذا هو الشق الأول الذي يجعل من المسألة الإسلامية ذات إشكالية كبرى في فرنسا. أما الشق الثاني، فيكمن في حالة الاغتراب التي يعيشها المسلم الفرنسي، بسبب تردّي الحالة المعيشية من جهة، وغياب الأفق الاقتصادي والسياسي من جهة ثانية.
هكذا، تتشكل الخصوصية الفرنسية: أيديولوجيا علمانية على مستوى البنية الفوقية تعمل بقسوة على قهر الدين، ووضع اقتصادي مزر على مستوى البنية التحتية. وأمام ضغط البنيتين، يلجأ المسلم الفرنسي إلى هويته، ويقوم بتضخيمها لاشعوريا، بشكل يقوّض فكرة الدمج، ويعيد إنتاج الهوية بقوة.