الإسلاميون ولعنة الحكم

الإسلاميون ولعنة الحكم

13 اغسطس 2021
الصورة

(محجوب بن بلة)

+ الخط -

تستحق التجربة الديمقراطية التونسية كثيرا من التحليل والدراسة الأكاديمية، تتجاوز التحيّز لطرفٍ من الأطراف السياسية الفاعلة في الممارسة اليومية. ولا تهدف هذه المقالة إلى التصدّي لمهمةٍ كهذه، بقدر ما تود التعليق على منطق بعض القوى "الديمقراطية/ العلمانية" التي أوقعت كل اللوم بفشل العملية السياسية على حركة النهضة، ذات المرجعية الإسلامية.
الانقسام الحادّ الذي أعقب القرارات المفاجئة للرئيس قيس سعيّد، أمر طبيعي بين من رآه انقلاباً دستورياً كاملاً على الجزيرة الديمقراطية الوحيدة في بحر الاستبداد العربي ومن اعتبره تصحيحاً للمسار الديمقراطي واستجابة للعجز والفشل الحكومي في التعاطي مع الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا. وبالطبع، لكل فريق حججه للبرهنة على صحة وجهة نظره، لكن ما يبعث على توجّس القوى الديمقراطية أن كل التجارب السابقة في المنطقة العربية التي بدأت بمثل هذه الخطوات قد انتهت بالإجهاز الكامل على المسار الديمقراطي. ومما يعزّز هذا التوجه اتفاق قوى محلية وإقليمية ودولية نافذة تعتقد أن الديمقراطية في المنطقة العربية تمثل تهديداً لمصالحها وامتيازاتها.
ومع أن الفريق الذي يرى في قرارات الرئيس سعيّد بدايةً لما يبدو وكأنه انقلابٌ متكامل، إلا أنه يُقر بأن الممارسة الديمقراطية للأطراف الحكومية، وفي مقدمة هذه الأطراف الحكومة والبرلمان، وبالتأكيد الرئيس سعيّد نفسه، لم ترقَ إلى مستوى توقعات المواطن العادي الذي يواجه أزمات حادّة على المستويات كافة، فقد بدا واضحاً أن التجربة التونسية نجحت على المستوى السياسي، خصوصا في صياغة نظام سياسي تعدّدي، وتجاوز عدة انتخابات حرّة ونزيهة، اكتملت بتناوب سلمي على السلطة لقوى وشخصيات مختلفة. مع ذلك، لم ير المواطن العادي تحسّناً لأداء الاقتصاد، بشكلٍ ينعكس إيجاباً على حياته. ولعل لهذا الفشل أسبابا كثيرة، لسنا في مقام تحليلها هنا، لكن جزءاً من هذا الفشل هو عجز القوى السياسية كافة، وفي مقدمتها حركة النهضة، عن إقناع المواطنين بأن النظام السياسي الجديد، مع أنه لا يملك حلولاً سحرية، إلا أنه الأقدر في المدى البعيد على إدارة موارد البلاد لصالح الأغلبية، والحد من الفساد المرافق لهذه العملية.

لم تحتكر "النهضة" الحكم في تونس في أول انتخاباتٍ للمجلس التأسيسي، وقدّمت تنازلات كبيرة في أثناء عملية صياغة الدستور

بالعودة إلى النقطة الجوهرية المتمثلة في تحميل حركة النهضة المسؤولية الكاملة عن الاستعصاء في عمل النظام السياسي. وبالتالي، عن تقديم حلول ملموسة للإشكالات التي تواجه تونس، فبلا شك تتحمّل الحركة مسؤولية جزئية عن حالة العجز والفشل التي وصلت إليها البلاد. ويكفي أن عدداً لا بأس به من قيادات الحركة قد اعترف بهذا، إضافة إلى أن هذا هو أحد الأمور الجوهرية التي تدور في النقاشات الحادّة داخل صفوف الحركة، والتي قد تؤدّي إلى استقالات وانسحابات إضافية، خصوصا إذا فشلت الحركة في الخروج السالم من عين العاصفة.
الأمر المثير لمنتقدي حركة النهضة وتحميلها كل أزمات تونس، وشيطنتها، على مدى العقد الفائت، أنها قد أتت على أمور، هي في عرف المنتقدين والمعادين تصل إلى درجة الكفر السياسي. نقطة الإثارة أن ممارسات "النهضة" على مدى السنوات العشر الماضية كانت مغايرة لمثيلاتها من حركات الإسلام السياسي، وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين المصرية. كثيرة الانتقادات التي وُجهت للجماعة إلى درجة أنه تم تحويلها من جماعةٍ يرأس أحد أعضائها الدولة المصرية إلى حركة إرهابية خلال فترة قياسية. لكن أحد أهم الانتقادات التي نالت "الإخوان" في مصر أنها حاولت الاستئثار بالحكم، وفشلت في العمل مع القوى السياسية المدنية، وأصدر رئيسها الراحل، محمد مرسي، فرمانات لتحصين قراراته من المراجعة القضائية (ما فعله قيس سعيّد انتهاك أخطر بمراحل من النواحي الدستورية والسياسية) وتمرير دستور لم يحظ بالإجماع. هذه الأفعال التي قام بها إخوان مصر استحقت اللعنة والعقاب الذي لم يكن قط من نوع "الجريمة" التي ارتكبها مرسي، ودفع حياته ثمنها، كما دفعت جماعة الإخوان ثمناً غالياً من حياة أعضائها وحريتهم وأعادتها عقوداً إلى الوراء.
حركة النهضة ملعونة اليوم، لأنها حاولت تجاوز أخطاء أخواتها الإسلاميات، وخصوصا تجربة حكم الرئيس محمد مرسي التي لم تتجاوز السنة الواحدة. لم تحتكر الحركة الحكم في أول انتخاباتٍ للمجلس التأسيسي، على الرغم من حيازتها أكبر نسبة أصوات في ذلك المجلس، وقدّمت تنازلات كبيرة في أثناء عملية صياغة الدستور، وتخلت عن رئاسة الوزارة قبيل الانتخابات لصالح حكومة تكنوقراط، وقبلت طواعية نتائج الانتخابات التي فاز فيها حزبٌ تم تشكيله من كل خصومها، خصوصا من بقايا النظام السابق. ليس هذا فحسب، بل رفضت إقصاء فلول النظام السابق، وقبلت بالعمل الائتلافي معهم. لقد قدّمت حركة النهضة تنازلات مبدئية وسياسية لأن عيون قادتها كانت دائماً على حماية قواعد اللعبة الديمقراطية. وبالتالي، ينطبق على حركة النهضة، كما ينطبق على حالة الإخوان المصريين، المثل الإنكليزي: "ملعون إن فعلت، وملعون إن لم تفعل".

نجحت الحركات الإسلامية وهي في المعارضة أكثر منها وهي في الحكم، على الرغم من قلة الفرص التي أتيحت لها لتحمّل المسؤولية

لم يكن أداء حزب النهضة في البرلمان الذي جمّد الرئيس سعيّد أعماله ورفع الحصانة عن أعضائه متميزاً، بل بدا باهتاً وضعيفاً أمام التحدّيات الكبيرة التي واجهتها البلاد. لكن أداء القوى السياسية، وفي مقدمتها رئيس الدولة الذي يفرض عليه الدستور مشاركة إدارة السلطة التنفيذية مع رئيس وزراء تختاره الأغلبية البرلمانية (يخضع الطرفان للمساءلة من السلطة التشريعية والقضائية) لم يكن أحسن حالاً. حزب النهضة هو صاحب أعلى عدد من المقاعد التي لا تكفي ليشكل الحكومة بنفسه، ولذا هو بحاجة إلى الدخول في تحالفاتٍ مع أحزاب متنوّعة المذاهب والمشارب، في برلمان يعاني من حالة تشرذم بالغة. النتيجة كانت الفشل في تشكيل حكومة قوية وفعالة قادرة على التصدّي لإشكالات البلاد الملحّة. وقد دفعت هذه الخلفية "النهضة" وغيرها من الأحزاب التونسية إلى القبول بتشكيلات حكومية، واختيارات لرؤساء الوزارة قام بها الرئيس سعيّد لينقلب عليها فيما بعد، وأخيراً، الانقلاب على النظام بأكمله. وبالطبع، تذرّع الرئيس بتردّي أوضاع البلاد، بخطاب شعبوي معاد للعمل المؤسساتي، ودعم من قوى إقليمية ودولية ترى وأد آخر تجربة غير فاشلة للربيع العربي منتهى أملها، حتى ولو كان إسلاميوها من النوع "اللايت".
تُظهر الدراسات الأكاديمية الرصينة، خصوصا الصادرة في الغرب، تبايناً كبيراً في تجارب الحركات الإسلامية السياسية. ولكن أمام التبسيط المخلّ للنقاش الدائر عن فشل الإسلاميين والمواقف الإيديولوجية المسبقة منهم، لا بد من الإشارة إلى بعض النتائج التي استخلصتها هذه الدراسات:
الأولى، من الواضح أن الحركات الإسلامية قد نجحت وهي في صفوف المعارضة، أكثر منها وهي في سدّة الحكم، وذلك على الرغم من قلة الفرص التي أتيحت لها لتحمّل مسؤولية الحكم. ولعل حمماعة الإخوان المصرية المثال الجيد هنا، إذ بلغت شعبيتها مدى كبيراً وهي في مواقع المعارضة للرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، مقارنة مع الفترة الوجيزة التي احتُسبت لها وهي في الحكم. أسباب كثيرة تفسّر هذا الأمر، منها أن الحركات الإسلامية وهي في المعارضة كانت فعالة في تقديم خدماتٍ إلى فئات شعبية واسعة، خصوصا ممن نالها فشل الأنظمة الحاكمة وإهمالها.

الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية تتنافس مع الأحزاب الأخرى بالتركيز على القضايا الأساسية التي تواجه البلاد، بتقديم حلول محلية مستمدة من القيم العليا للإسلام

الثانية، كانت الحركات الإسلامية أكثر نجاحاً في عملية التعبئة والتنظيم في أثناء العملية الانتخابية، والفوز فيها عندما كانت تسمح الأنظمة الحاكمة بذلك. وتشهد التجارب السابقة بتناسب نجاح الإسلاميين في أي عملية انتخابية كلما ارتفعت نسبة نزاهتها. الفوز في العملية الانتخابية لم يتحوّل إلى نجاح في الحكم، باستثناء التجربة التركية التي يبدو أنها وصلت إلى مداها، وبدأت تدخل في مرحلة التراجع. ولعل تفسير النجاح في الفوز في الانتخابات يعود إلى القدرات التنظيمية للحركات الإسلامية، وعدم قدرة القوى المنافسة على مجاراتها، بينما يتبدّى العجز في الحكم بقلة الدراية والخبرة، ومجابهة أنظمة عاتية قائمة على حماية الأوضاع الراهنة من خلال أحلاف الثورات المضادة إقليمياً ودولياً.
الثالثة، كان نصيب الحركات الإسلامية التي انتقلت من مرحلة الشعارات (الإسلام هو الحل) إلى التركيز على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لأبناء الوطن أكبر من تلك التي توقفت عند صراعات الهوية وترديد شعارات تطبيق الشريعة، باعتبارها الحل السحري لكل إشكالات البلاد والعباد. ولعل شرط النجاح في الانتقال من الصراع حول الهوية إلى المنافسة في البرامج والخطط يتطلب تحوّل الحركات إلى أحزاب سياسية، تفصل بين الديني والدعوي، وبين السياسي والإداري. وهذا هو التفريق الذي قدّمه دارسو الحركات الإسلامية للتحوّل إلى مرحلة "ما بعد - الإسلاموية". الأحزاب التي قامت بهذه النقلة، مثل حركة النهضة، وحزبي العدالة والتنمية في كل من تركيا والمغرب، كان أداؤها أفضل من الحركات الإسلامية التقليدية، ومنها جماعة الإخوان المصرية. الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية تتنافس مع الأحزاب الأخرى بالتركيز على القضايا الأساسية التي تواجه البلاد، بتقديم حلول محلية مستمدة من القيم العليا للإسلام، كالعدل والمساواة والحرية ومحاربة الفساد ومساعدة العباد في إيجاد حياة آمنة وكريمة. وللحقيقة، قامت حركة النهضة بهذه النقلة، وأضحت حزباً مدنياً، ودفعت ثمن هذا التحول. لقد خسرت بعض قواعدها المحافظة التي رأت في الحركة تخلّيا عن هويتها وتاريخها.

من المبكر التنبؤ فيما إذا كانت "النهضة" ستستطيع الخروج من التحدّي الأخطر منذ نجاح الثورة التونسية، وهي التي كانت أحد المستفيدين منها

النقطة الأخيرة، تواجه جميع الحركات السياسية الإسلامية أزمة قيادة، وهذا ينطبق على الحركات التقليدية وما بعد الإسلاموية كافة. ولعل أهم مظاهر هذه الأزمة يتمثل في تمسّك قيادات تاريخية بالمواقع الأساسية، وعدم إيجاد آليات تنظيمية لتأهيل القيادات الشابة الناشئة وتشجيعها، ومنها العناصر النسائية، على استلام مواقع حسّاسة في قيادة هذه الحركات. كما تعاني الحركات الإسلامية مما تعاني منه حركات "عقائدية" وأنظمة سلطوية عديدة، حيث يتم تغليب الولاء والتاريخ التنظيمي على الكفاءة. كان هذا الأمر واضحاً في تجربة الإخوان المصريين، ولم تخل منه حركة النهضة. لقد حاز الأستاذ/ الشيخ راشد الغنوشي على درجة احترام كبيرة داخل أوساط الحركة وخارجها عندما آثر البقاء بعيداً عن المناصب، بعيْد نجاح الثورة التونسية، على الرغم من ترؤسه حركةً فازت مرتين من بين ثلاث مرات في الحصول على أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات البرلمانية، إضافة إلى فوز كبير في الانتخابات المحلية والبلدية. لكن سحر المنصب وبريق السلطة كان قوياً إلى درجة أن رجلاً بتجربة الغنوشي ورشده لم يستطع مقاومتها، فدخل الانتخابات البرلمانية أخيرا، ووصل إلى أن يكون رئيس مجلس النواب. أداء الغنوشي رئيسا لمجلس نواب منقسم، والهجمة الشرسة التي تعرّض لها، أفقداه كثيراً من قيمته كأحد مفكري الحركة الإسلامية المعاصرة، وهو بذلك يعيد تجربة الراحل حسن الترابي في السودان. ولعل الأمر الوحيد الذي قد يحفظ مكانة الغنوشي وتركته يتمثل في تنفيذ التزامه في التنازل عن موقع القيادة الأول في الحركة إلى شخصيةٍ من جيل الشباب، والالتزام بالنظام الداخلي الذي يسمح للرئيس بشغل هذا الموقع لفترتين فقط.
من المبكر التنبؤ فيما إذا كانت حركة النهضة ستستطيع الخروج من هذا التحدّي الأخطر منذ نجاح الثورة التونسية، وهي التي كانت أحد المستفيدين من هذه الثورة. المؤكد أن الانقلاب على قواعد اللعبة السياسية، في كل مرة يكون هناك دور للإسلاميين فيه، لن يقضي على البريق الذي يتمتّع به أصحاب هذا الاتجاه. تفيد التجارب السابقة بأن الانقلاب على الإسلاميين لم ينجح في استئصال هذا التيار، بل زاد من العمر الافتراضي له. على الصعيد الداخلي، كان من نتائج إقصاء الإسلاميين من العملية السياسية أنه عمّق من قناعة بعضهم داخل هذه الحركات بأنهم ضحايا أنظمة مستبدّة فاسدة، ما رسخ عقلية الضحية التي أعاقت إمكانية القيام بمراجعات جريئة داخلية. أما الأمر الخطير الثاني فيتمثل في التراجع الذي حصل على صعيدي الفكر والممارسة السياسية لكثيرين من المحسوبين على التيار الإسلامي، والارتداد إلى الماضي، والتمترس بالفكر السلفي، وتبرير استخدام العنف ضد "الآخر"، بدعوى إحياء فريضة الجهاد. وأخيراً، تتكرر دورة الانقسام المجتمعي، وتزداد حدة الاستقطاب النكد بين ما يسمى بالقوى العلمانية التي ما فتئ بعض المنتسبين لها أن يكونوا دائماً مطية لأنظمة الاستبداد والفساد، في مواجهة الإخوة/ الأعداء من الإسلاميين.