الإخوان المسلمون في منظار ترامب

11 ديسمبر 2025
+ الخط -

في غمرة انشغالاته بتنفيذ خطّة السلام "الخالد" في منطقتنا، وجد ترامب الوقت الكافي لإصدار موقفٍ رديفٍ لهذه "الخطّة": أوعز إلى إدارته بإيجاد الأسباب المقنعة لتصنيف الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن "جماعةً إرهابيةً"، ما يمهّد السبيل إلى معاقبتهم وتقييد نشاطهم بإجراءات أمنية وعقوبات مالية. لماذا؟ لأنهم "شبكة عابرة للحدود (...) تهدّد المصالح الأميركية والمواطنين الأميركيين، وتموِّل الإرهاب"، ولأن هذه "الشبكة تدعم حماس والفصائل المسلّحة، وتقود حملات لزعزعة الاستقرار الإقليمي". تفاوتت ردّات فعل الحكومات المعنية بأولئك "الإخوان" (الموجودين في أرضها) بين الترحيب (مصر)، والدعم (لبنان)، والتأييد (الأردن). أيّ أنها تساوت فيما بينها بالرضا عن ترامب وقراراته، منعاً لغضب قد يودي بها أو باقتصادها أو بأيّ شيء آخر.

ولكن ثمّة ما يحيّر في هذا القرار؛ أحمد الشرع الذي انشقّ عن تنظيم إرهابي (القاعدة)، والذي أسّس من بعد هذا الانشقاق جبهة النصرة، وجهادها "العالمي ضدّ الكيان الصهيوني"، و"عدو الإسلام الرئيس"، وهو زعيم هيئة تحرير الشام الموضوعة في قائمة الإرهاب سابقاً، وجائزة القبض عليه (عشرة ملايين دولار)... أحمد الشرع يقول فيه ترامب الشعر: "القائد الواعي"، "البطل"... لأنه يعلن أن لا مشكلة بينه وبين إسرائيل، ولن يتدخّل في "أيّ أمر يهدّد أمن إسرائيل"، ويسعى إلى "علاقاتٍ ودّية" معها، وأنه قد يوافق على "تطبيع أو اعتراف بها بحلول العام 2026". خرج فجأةً من جهنّم الجهاد، ترك المجاهدين بين ضائعين ومستفيدين وأصحاب تقِيّة، يشكّلون وحدهم خزّان إرهاب من نوع جديد، قد يجدون في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الحضن الدافئ... هذا كلّه لا شيء بالنسبة لترامب وللمعجبين به من إدارته وخارجها، فكان تركيزه على "إرهابية" أقلِّ التيارات الإسلامية "جهاديةً".

فالإخوان المسلمون في الدول الثلاث التي أمر ترامب باعتبارهم "إرهابيين" لا مجال لمقارنتهم بإرهابيّي "داعش" و"القاعدة" و"النصرة"، والتنظيمات الجهادية كلّها التي لم تعرف غير القتل المتوحّش سبيلاً لصعودها أو سلطتها. في لبنان يُعرفون باسم "الجماعة الإسلامية". في نهاية الحرب الأهلية، التي لم يشتركوا فيها إلا لماماً، حصلوا على ثلاثة مقاعد برلمانية، وخاضوا دورات انتخابية، وقاطعوا أخرى، من دون حصاد كبير. وهم الآن لهم نائب واحد، هو عماد الحوت. في الأردن، وتحت اسم جبهة العمل الإسلامي، خاض الإخوان المسلمون الأردنيون الانتخابات في عدّة دورات، جديدها العام الماضي، ونالوا31 مقعداً، أي ثلث المقاعد البرلمانية. لكن خلال العام المنصرم، أصدرت الحكومة، المنفّذة لإرادة الملك، قراراً بمنع أنشطتهم والتعبير العلني عن آرائهم ومصادرة مكاتبهم. لكن أصحاب التاريخ الأعرق من بين الثلاثة هم الإخوان المسلمون المصريون. في عهد حسني مبارك كانوا ممنوعين قانونياً، وموجودين واقعياً وعملياً. خاضوا الانتخابات بمجموعات متفرّقة في البداية (1990-2000)، وبعد ذلك بصفتهم حزباً شبه شرعي، وكانوا عام 2005 أول كتلة برلمانية مصرية (88 نائباً).

أقام قانون مكافحة الإرهاب رقم "94" محاكم استثنائية مُسرَّعة تمنح قوات الأمن المصرية حصانةً شبه مطلقة

بعد ثورة 2011 التي أسقطت حسني مبارك، وتأخّروا في الالتحاق بها، خاضوا أول انتخابات حرّة نزيهة في تاريخ مصر، القديم والمعاصر. ونال مرشّحهم محمّد مرسي في الدورة الثانية 52% من الأصوات في مواجهة أحمد شفيق، مرشّح عهد مبارك.

دام حكم "إخوان" مصر سنةً كاملة، عُرفوا فيها بالسلطات غير المحدودة التي منحوها لرئيسهم؛ بإدخال أُطرهم مختلف مؤسّسات الدولة، واستبعاد غيرهم من أعضاء الأحزاب الأخرى؛ بتصويتهم على وضع دستور إسلامي، والمسّ بالحريات وبالأقليات، وبالفشل الاقتصادي؛ فكان الانقلاب العسكري لعبد الفتاح السيسي، الذي جمع في تظاهرة سينمائية أقلَّ من مليوني شخص، صوَّرهم على أنهم عشرات الملايين. تلت ذلك "واقعة رابعة". فبعد هذا الانقلاب نظّم "الإخوان" اعتصاماً في حي رابعة العدوية في ضاحية مدينة نصر؛ 85 ألف شخص من النساء والأطفال والعائلات، بلا سلاح، إلا خمس عشرة قطعة، وبعض قنابل المولوتوف المصنوعة يدوياً، والباقي حجارة (رغم الدعاية الأمنية الحكومية التي تدّعي العكس)؛ يطالبون فيها بإعادة الرئيس المنتخب إلى منصبه. فيما عبد الفتاح السيسي يعتبر الاعتصام "تهديداً أمنياً"، ويعطيهم إنذاراً بالإخلاء، فيكون هجوم قوات الأمن وإطلاق الرصاص، وتسوية خيم الاعتصام بالأرض، ومقتل المئات واعتقالات عشرات الآلاف.

وبعد سنتَيْن (2015)، يصدر السيسي قانون مكافحة الإرهاب رقم 94، الذي أقام بموجبه "محاكم استثنائية مُسرَّعة تمنح قوات الأمن حصانةً شبه مطلقة"؛ وتُعاقِب بالسجن والغرامة وبمصادرة أملاك كل من يروّج لـ"معلومات مغلوطة عن الإرهاب" تُناقِض السردية الحكومية، وتعطي لهذه المحاكم صلاحية إصدار حكم الإعدام في حقّه، طبعاً من دون محاكمة عادلة. ولم تقتصر القرارات على الإخوان المسلمين، إنما طاولت شباب الثورة (علمانيين وليبراليين) والصحافة والجمعيات غير الحكومية، خصوصاً تلك التي تنشر تحقيقات ميدانية عن معارك سيناء: وفي شبه الجزيرة هذه، مجموعات إسلامية مسلّحة، جهادية وسلفية، مثل "أنصار بيت المقدس" و"ولاية سيناء"، تحارب القوى الأمنية، ولا علاقة لها بالإخوان المسلمين.

مع ترامب، أصبح الاقتران بين الإسلام والإرهاب في ذروته

ولئن أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عن دعم براغماتي وموزون للسيسي في انقلابه على الإخوان، وهو على كل حال لم يقطع معه حتى لو اعترف بنتائج انتخابات محمّد مرسي رئيساً، حرصاً على علاقة بلاده بمصر، إلا أن ترامب عبّر عن استحسانه الشخصي وحماسته للسيسي. وصفه في عهده الأول بـ"الرجل القوي"، "القائد الرائع"، الذي يقوم بـ"عمل ممتاز ضد الإرهاب"، ويمنحه جرعة دعم وإعجاب أخيراً بقراره التنفيذي هذا، الذي يعتبر "الإخوان" المصريين "إرهابيين"، حتى أنه سمّاه عام 2019 "ديكتاتوري المفضّل".

ظهر لفظ "الإرهاب" مع اليعاقبة الفرنسيين، الجناح المتطرّف والدموي للثورة الفرنسية. وخلال قرنين من ظهوره، ارتدى مضامين مختلفة، ولكنّه صار مع هجوم أسامة بن لادن على برجَي التجارة في نيويورك (11 سبتمبر 2001)، يغطّي أيَّ عمل عدائي صادر من جهة غير حكومية إسلامية، فرداً كانت أم جماعة. وقد ازدهرت بموازاته الإسلاموفوبيا. واليوم مع ترامب، أصبح هذا الاقتران في ذروته. كان ينقص ترامب قيام رجل أفغاني بقتل جنديَّيْن من الحرس الجمهوري، ليطلق العنان لفوبياه المزدوجة من الإسلام والإرهاب، فيجدّد هذه الفوبيا بأمره التنفيذي هذا.

وهذه مغالاة تغطي على غابة إرهاب ترامب، داخليًا، بإطلاق المُقنَّعين من إدارة "آيس" ضدّ المهاجرين في المدن بعنف مفرط قلّ نظيره، زارعاً الإرهاب في قلوب المواطنين الأميركيين. وخارجياً، بشنّ حرب اعتباطية ضدّ فنزويلا وفي المياه الكاريبية، يقتل فيها من يشاء، ويهدّد الأنظمة التي يشاء، باسم الحرب على عصابات المخدّرات، ويطلق، في المقابل، سراح رئيس هندوراس السابق، خوان أورلاندو هرنانديز، ، بعد سنة من حكم المحاكم الأميركية عليه بالسجن 45 سنة بسبب تجارته الضخمة بالمخدّرات في قلب الولايات المتحدة... وهذا كلّه ليس سوى غيض من فيضه.... مع ترامب، يحتاج اللغويون إلى إعادة النظر بمصطلحاتٍ كثيرة، وفي مقدمها الإرهاب.

A192C84D-9A16-42AA-977F-84110CD6D458
دلال البزري

كاتبة وباحثة لبنانية