الإبادة الجماعية المبرمجة والذكاء الاصطناعي في غزّة

02 يونيو 2025
+ الخط -

يشنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حرباً استثنائية على غزّة،  بالاستهداف المتواصل والمكثّف للمدنيين والمباني والمرافق الحيوية في القطاع، لتحقيق دمارٍ غير مسبوق. ولتحقيق خطّتها الإبادية في غزّة، اعتمدت إسرائيل كعادتها على الدعميْن، العسكري والمادي، والسياسي لحلفائها الطبيعيّين، لا سيّما الدعم المطلق للولايات المتحدة والدول الأوروبية، وبعض العرب، لكن تحقيق هذا الحجم الاستثنائي من الدمار لم يكن ممكناً لولا استعانة إسرائيل بالتطبيقات العسكرية والحربية المتطوّرة، لا سيّما بالوجه القبيح للذكاء الاصطناعي، ليفتتح بنيامين نتنياهو وجيشه حرباً حديثةً ومتطوّرةً تقوم على إبادة الفلسطينيين، من خلال الاستعانة بتطبيقات القتل والدمار، التي يوفّرها الذكاء الاصطناعي، من أجل تنفيذ مشروع التخلّص من الفلسطينيين المتجذّر في عمق العقيدة الصهيونية.
من أجل تدمير غزّة، وإبادة وتهجير أهلها، يستخدم الجيش الإسرائيلي (تساهال)، أحدث الأسلحة وأفتكها، لكنّ إشباع غريزة القتل والتدمير لدى نتنياهو وأتباعه أتاحت لهم الفرصة غير المسبوقة لاستعمال وتجربة تقنيات عسكرية متطوّرة جداً، كالتي يوفّرها الذكاء الاصطناعي، ليتحوّل إلى مختبر للتدمير والقتل الجماعي للأطفال والنساء وكبار السنّ في غزّة.

يعدّ "لافندر" جزءاً من ترسانة تشمل الذكاء الاصطناعي المعروف باسم "Gospel"، ويستطيع تحديد حوالى مائة هدف في اليوم الواحد

لقد سارعت إسرائيل منذ سنين، وعلى نحوٍ مُتزايد، إلى استعمال أنظمة متطوّرة جداً في المجال العسكري لقمع الفلسطينيين، شملت روبوتات ودبّابات بذكاء اصطناعي. بالإضافة إلى هذا، عرف استعمال الذكاء الاصطناعي توسّعاً لا نظير له في مجال مراقبة الفلسطينيين، باعتماد نظام رقابة "Blue Wolf" الذي يخزّن تفاصيل كلّ ما يتعلّق بالفلسطينيين، كالصور وأرقام هوياتهم وأعمارهم وجنسهم وعنوانهم وأرقام لوحات سياراتهم... توسّعت هذه البيانات لتشمل أرقام الهواتف والأنشطة في مواقع التواصل الاجتماعي، والانضمام إلى مجموعات "واتساب" التي يوجد فيها أحد المناضلين، وتغيير العناوين وأرقام الهواتف، والمتابعة المستمرّة لما يجرى يومياً في غزّة. وتهدف إسرائيل من خلال المراقبة العامّة للفلسطينيين إلى تخزين أكبر عدد ممكن من المعلومات حول الفلسطينيين تمهيداً لتوظيفها في برنامج تصفية انتقائي.
ومن أجل تنفيذ إبادة الفلسطينيين، التي لطالما حلم بها الصهاينة، اعتمد جيش "تساهال" الذي يعتبر الجهة المنفّذة لأولى إبادة جماعية في العصر الحديث، على نظام قتل وتدمير شامل يجمع بين برمجيات مختلفة، لها أهداف محدّدة، وذلك لتحقيق دمار واسع في غزّه، بل لتدميرها تدميراً كلياً.
"الخُزامَى" (Lavender): نظام الذكاء الاصطناعي القاتل للفلسطينيين
بعد تحليل برنامج لافندر للمعلومات، التي جُمعت عن معظم سكّان قطاع غزّة، وعددهم 2.3 مليون نسمة، يحدّد البرنامج لكلّ شخص من السكّان درجةً من 1 إلى 100. هذه الدرجة تعكس مستويات انضمام الشخص إلى حركة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أو احتمال أن يكون مقاتلاً. وبعد تحديد مكان الشخص المستهدف يعطى الأمر للجيش بتصفيته. وقالت مصادر، لمجلة 972+ وموقع Local Call، إن الجيش اعتمد، في الأسابيع الأولى من الحرب، بصورة شبه كاملة على "لافندر"، الذي حدّد ما يصل إلى 37 ألف فلسطينيّ بصفتهم مسلّحين مشتبهاً فيهم، من أجل تصفيتهم.
ووفقاً لـ"972+"، تقرّر في بداية الحرب أن مقتل ما بين 15 أو 20 مدنياً بعد تحديد الهدف من نظام لافندر كان عدداً مقبولاً، لكن في حالة استهداف شخصيات أعلى في التسلسل الهرمي لحركة حماس، يمكن أن يرتفع عدد الضحايا المدنيين (الأضرار الجانبية) إلى مائة، لأن "لافندر" يعتبر هذا الاستهداف "مشروعاً"، وهو ما يبرّر ارتفاع عدد الضحايا من الأبرياء، الأطفال والنساء، في عديد من حالات الاستهداف. ويطرح هذا القتل المتعمّد للمدنيين بأمر من الآلة تساؤلات ومخاوف حول اعتماد هذا النهج المتساهل تجاه الخسائر البشرية من الفلسطينيين.

لإبادة الفلسطينيين، اعتمد جيش تساهال، الجهة المنفّذة لأولى إبادة جماعية في العصر الحديث، على نظام قتل وتدمير شامل يجمع بين برمجيات مختلفة

ويعدّ "لافندر" جزءاً من ترسانة تشمل الذكاء الاصطناعي المعروف باسم "Gospel"، ويستطيع تحديد حوالى مائة هدف في اليوم، وهو ما يبرّر تكثيف العمليات العسكرية ضدّ سكّان غزّة في مدار الأسابيع والأشهر الماضية. وتتأكّد شراسة "لافندر" و"Gospel" من خلال التهديدات المتتالية التي يلوّح بها نتنياهو بتوسيع دائرة القتل كلّ مرّة، نظراً إلى إلمامه بالقدرات التدميرية للبرنامجَين المذكورَين.
"الإنجيل" (Habsora): نظام الذكاء الاصطناعي المدمّر للمباني
حبسورا (الإنجيل بالعبرية) هو البرنامج العسكري الذكي الذي يستعمله "تساهال" لاختيار المباني التي سيضربها، وجاء استخدامه من أجل الإسراع في اختيار الأهداف في قطاع غزّة، وذلك من أجل الزيادة في وتيرة الهجمات بغية توسيع دائرة القتل الجماعي والدمار العمراني. ويصف ضابط سابق في المخابرات حبسورا بأنه "مصنع للقتل الجماعي"، إذ "ينصبّ التركيز في الكمّ وليس النوع".
و يشمل نظام الذكاء الاصطناعي الإسرائيلي، وهو الذراع العلمية لإبادة الفلسطينيين، على برامج أخرى مثل "أين أبي" (Where’s Daddy)، الذي يستهدف فئات محدّدة من القيادات في غزّة. لكن عقيدة القتل والدمار لدى تساهال، التي تعمل على تنفيذ مخطّط إبادة جماعية ضدّ الفلسطينيين، لم تفرّق في استهدافها للفلسطينيين مهما تعدّدت مهامهم، بل إنها عمدت منذ بداية الحرب إلى تصفية كلّ الفلسطينيين، من الأطفال والنساء والشيوخ، وتبيّن ذلك من خلال قصف العديد من المباني المأهولة ليلاً من أجل تحقيق أكبر عدد من الضرر، وسط المدنيين. بل استهدفت مبانٍ لم تتواجد فيها الشخصيات المستهدفة من البرنامج، لأن الحرب على غزّة لم تكن موجّهةً ضدّ "حماس"، بل كانت تستهدف الفلسطينيين كلّهم، لهذا قصفت المروحيات والدبابات من دون تردّد آلاف المباني في غزّة، مخلّفةً، في بعض الحالات، أكثر من ألف شهيد في الضربة الواحدة. ولا يمكن فصل هذه الوحشية المفرطة عن إرادة الجيش في تحقيق دمار كلّي، تحقيقاً للرغبات المتجذّرة للجيش الصهيوني في إبادة الفلسطينيين وتهجيرهم.

وجود ترسانة من برامج الذكاء الاصطناعي المختصّة في قتل الفلسطينيين هو دليل على إرادة فعلية لإبادة الفلسطينيين وتدمير القطاع

يثير حجم الدمار الذي أحدثه استعمال التطبيقات المختلفة للذكاء الاصطناعي في الإبادة الجماعية في غزّة يثير مخاوف أخلاقية واستراتيجية متعدّدة بشأن مستقبل النزاعات في ظلّ التقدّم التكنولوجي، لا سيّما حول الوجه القبيح للذكاء الاصطناعي، لذا تفتح التطبيقات القاتلة للذكاء الاصطناعي، التي جُرِّبت في غزّة، الباب أمام مستقبل قاتم للإنسانية، إذا لم يجرِ الحدّ من الاستعمال القاتل لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في النزاعات.
لا يمكن اعتبار تنفيذ الإبادة الجماعية والتهجير الجماعي في غزّة ردّة فعل عابرة، بل إنها تنفيذ لمشروع متجذّر في العقيدة الصهيونية، وفي ممارسات الكيان الصهيوني منذ 1948. وبالتالي، يمكن من دون تردّد الحديث عن وجود إرادة قتل جماعي للفلسطينيين. ولعلّ ما يبرّر وجود إرادة فعلية لإبادة الفلسطينيين وجود ترسانة من برامج الذكاء الاصطناعي المختصّة في قتل الفلسطينيين، وتدمير القطاع، لأن مَن بدأ بفرض رقابة رقمية على الفلسطينيين، وصمّم برامج قتل متطوّرة، كان يخطّط مسبقاً لإبادة الفلسطينيين، لأن مشروع إبادة أكثر من مليونَي شخص يستحيل أن يكون وليد اللحظة.