الأميركيون والعنصرية أمام مرآة كورونا

16 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

طُمرت حكاية فيروس كورونا، منذ بدء تفشيه في الولايات المتحدة الأميركية، تحت ركام التفاوتات العنصرية للثقافة السائدة التي استهدفت الغالبية العظمى من الأفارقة السود، وإن لم تنحصر بهم. إذ حطّت هذه العنصرية من شأن قيمة الإنسان بصفته إنسانا في سلم القيم. وأصبحت مثار نقاش واسع في الأوساط الأكاديمية والإعلامية، جنبا إلى جنب مع مراكز الأبحاث. كيف سيتعامل الرئيس الأميركي المرتقب، جو بايدن، مع هذا الملف البغيض الذي انكشف مثل "عار" يلتصق بديمقراطية منقوصة على الدوام، منذ تأسيس الاتحاد الفيدرالي؟ أعلن، في حملته الانتخابية وبعد الفوز، أن الأولوية بالنسبة له هي في مواجهة جائحة كورونا التي تعامل معها الرئيس (الخاسر) دونالد ترامب باستخفاف وتخبط، فضلا عن اللامبالاة في الوعي الجمعي، كما في الثقافة السائدة، والممارسات الصحية التمييزية، وتراجع العدالة الاجتماعية التي أحاطت بحياة الأميركيين من أصل أفريقي وأقليات ملونة عديدة، فضلا عن فئات مهمشة عديدة. وربما كانت إدارة ترامب الجائحة في طليعة أسباب خسارته في الانتخابات أمام بايدن، سيما بعد حملة المواجهة التي قادتها حركة "حياة السود مهمة" بداية ليقظة وعي جديد لمخاطر العنصرية على الولايات المتحدة الأميركية برمتها، وإنْ كانت جزءا من حملة أوسع ربما ضد ترامب، وتقاعسه عن مواجهة الجائحة بالاستناد للعلم والمصداقية والجدّية التي تتطلبها حياة عموم الأميركيين.
كانت دعوة كبار السن إلى التضحية بأرواحهم، وترك أنفسهم للموت أمام جائحة كورونا، بوصفهم الهدف الأول والأضعف للفيروس، أشبه بمزحة ثقيلة لبرامج الفكاهة، أشعلت الغضب، قبل أشهر، على مواقع التواصل الاجتماعي، سيما "تويتر"، حين بدأ الانتشار المتسارع للوباء داخل ولايات عديدة، سيما التي يعيش فيها نسبة كبيرة من الأميركيين الأفارقة، فضلا عن عشرات آلاف من الأميركيين اللاتين، وتجمعات السكان الأصليين وكبار السن، والأشخاص في وضع هش، والمعدمين وذوي الاحتياجات الخاصة، والمشرّدين من دون مأوى (حوالي نصف مليون أميركي). إذ لم تقتصر تلك اللامبالاة الإنسانية على السود، بل طاولت الفئات العاملة ذات الأجور المتدنية للأميركيين البيض أيضا، والتي لطالما عانت من التمييز في الوصول إلى الرعاية الصحية ذات الجودة الكافية، بحسب تحليلات "واشنطن بوست" التي بنيت على معلومات وإحصاءات توفرت لديها من ولايات عديدة.

كانت دعوة كبار السن إلى التضحية بأرواحهم، وترك أنفسهم للموت أمام جائحة كورونا، بوصفهم الهدف الأول والأضعف للفيروس، أشبه بمزحة ثقيلة لبرامج الفكاهة

بلغت نسبة الإصابة بكوفيد - 19 بين الأميركيين الأفارقة ثلاثة أضعاف، وأدت إلى ما نسبته ستة أضعاف الوفيات، أي 70% من المصابين، مقارنة بمثيلاتها عند الأغلبية بين أوساط الأميركيين البيض. فيما أعلنت مؤسسة سويتش كود عام 2019، قبل وقت قصير من تفشي فيروس كورونا، أن العنصرية، بحد ذاتها، "أزمة صحية عامة دائمة"، بحسب خبرتها في ولايات عديدة، سيما في ميلووكي، فالنقص الفادح في برامج الرعاية الصحية التي تطاول السود هناك، بسبب التمييز العنصري، لا توفر أيضا الفئات المهمشة والهشّة، بسبب اعتبارات تدني قيمة الإنسان، تبعا لقدرته الجسدية أو المهن التي تعتبر وضيعةً، أو الطبقة الاجتماعية الدنيا من الملونين والبيض على السواء، وفق معايير مادية بحتة، بحيث يمنح من يملك الثروة اعتبارا أكبر بكثير من الفقراء ومتدنيي الأجور. والشيء نفسه ينطبق في "العنصرية ضد النساء"، بوصفهن أقل شأنا من الرجال في سلم القيم الأميركي، بحسب الثقافة السائدة، على الرغم من كل القوانين والتشريعات المناهضة للتمييز ضد النساء، في ظل الديمقراطية الأميركية! وهي ثقافة أنتجتها النيوليبرالية المتمركزة في أميركا، وتاريخ من الإبادات ضد السكان الأصليين، والعبودية، وسرقات الأراضي، لم يتم الاعتذار عنها، إن في المناهج المدرسية أو الجامعية ووسائل الإعلام و"هوليوود" إلا في ما ندر. وربما إن حدث، فمن باب رفع العتب أو الزخرفة لا غير، وإلا كيف نفهم ما جرى للأميركي الأسود البشرة، جورج فلويد، وما تبع موته خنقا بحذاء شرطي من احتجاجات. وربما كان موته الشرارة التي واجه فيها المجتمع الأميركي، بكل ألوانه وفئاته، حكاياتهم المؤلمة مع العنصرية التي رفع الوباء عنها ورقة التوت، لارتباط التفشي والوفيات والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية ارتباطا وثيقا بالعنصرية والتمييز بكل أنواعه وأشكاله.

بلغت نسبة الإصابة بكوفيد - 19 بين الأميركيين الأفارقة ثلاثة أضعاف، وأدّت إلى ما نسبته ستة أضعاف الوفيات، أي 70% من المصابين

نظر الأميركيون إلى أنفسهم في مرآة كورونا، فإذ بهم عراةً يقفون تحت السلم الهرمي للقيم بين سندان العنصرية ومطرقة كوفيد 19 القاسية، ويعيشون الحجْر الصحي في منازلهم غربة ووحدة ورعبا، ويتطلعون إلى الخلاص من كابوس ما زالوا (وما زال العالم) يئنون من تفاصيله المرعبة وموجاته المقبلة، على الرغم من اكتشاف لقاح فايزر- بونتيك الذي ربما سيوزّع وفق الشروط التمييزية ذاتها أو أقل قليلا. هنا، ستوضع مصداقية بايدن على المحك، فهو ابن المؤسسة التي مارست هذا التمييز عقودا، ولا يمكن لابن الحزب الديمقراطي العريق أن يتنصل من تاريخ مغرق بالعنصرية، داخل أميركا وخارجها، وكان للفلسطينيين حصتهم من المعاناة منها عقودا من الدعم الأميركي للسياسات الإسرائيلية، بغض النظر عن ساكني البيت الأبيض، من جمهوريين وديمقراطيين، أو لون الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من يسار أو يمين أو وسط. مع أن المنطقة العربية، حكوماتٍ وشعوبا، ليست في أفضل حال، بعدما تمزقت بلدان عديدة تحت التمييز الطائفي والصراعات المذهبية والعرقية. وقد مارس بعضها العنصرية ضد الآخر، امرأة كان أم لاجئا أم أجيرا أم من جنسية أخرى تغلب عليها الأوضاع الهشة، تدنت فيها قيمة الإنسان إلى أسفل السلم الهرمي للقيم في المجتمعات كافة، هنا أو هناك في أوروبا والولايات المتحدة أو في بقاع الأرض كافة، وأدت إلى دفع أثمان باهظة في مواجهة الوباء في أنظمة رعاية صحية يعشّش فيها التمييز، انهارت أو عجزت عن القيام بما عليها أن تقوم به. ولكن الأمر يختلف هنا، ويتخذ في بلدٍ شارك فيه الناخبات والناخبون الأميركيون من أجل التغيير، وليس للتخلص من ترامب فقط. فهل يفلح بايدن ومعه كاميلا هاريس، ذات الأصول الملونة، والمرأة، الشابة نسبيا، في أن تكون الضمانة لكي يصدُق بايدن في وعوده، سيما أنه أعلن أنه لن يجدد لولاية ثانية، وهو ما يتيح له التحرر من ضغوط سادة "وول ستريت"، والطغمة المالية المتحكّمة بالسياسات الأميركية، كما اللوبي الصهيوني، وما سيحدث في أميركا سوف يؤثر علينا في المنطقة العربية، وعلى العالم بأسره. والعالم ما بعد الجائحة ليس كما قبله. وبحسب المفكر الأميركي، تشومسكي، يعتبر فيروس كورونا مقدّمة لكوارث أخرى، تتعلق بالاحتباس الحراري والتهديدات النووية، كما الحياة وسط عالم من الأوبئة قد لا ينتهي. وهو ما يتطلب، في رأيه، بناء حركة تضامن اجتماعي لمواجهة الفشل الذريع للرأسمالية المتوحشة، وتراجع قوتها في مواجهة أزماتٍ تسببت بها أو ساهمت في التسبب بها.

مواجهة الملفات الداخلية، والعنصرية والتمييز ضد الفئات الأكثر تهميشاً، تحدّ قد يتفوق على المخاوف التي يصعب توقعها في ما تبقى من أسابيع قليلة لحكم ترامب

لهذا يصبح سؤال التغيير، على الرغم من اللقاحات العديدة ضد كوفيد - 19 مفصليا، قد يؤدّي، حكما، إلى ولادة نظام شيوعي مختلف عما تحدث عنه كارل ماركس منذ 150 عاما، بحسب الفيلسوف المثير للجدل، سلافوي جيجيك، في كتابه الصادر في إبريل/ نيسان 2020 "الجائحة"، قائم على انحلال الحدود القومية وتقهقرها لمصلحة حركة تضامن عالمية لمواجهة فيروس كورونا، ومضاعفاته التي ستقوض دعائم العالم كما نعرفه، والتي لن تتركنا لشأننا سنوات عديدة بحسب علماء كثيرين.
وإذا صدقت توقعات جيجيك أو تمنيات تشومسكي، فإن مواجهة الملفات الداخلية، وفي مقدمتها العنصرية والتمييز ضد الفئات الأكثر تهميشا، بما فيها النساء، هي تحدّ قد يتفوق على المخاوف التي يصعب توقعها في ما تبقى من أسابيع قليلة لحكم ترامب الذي اقتات أربع سنوات من الأرض الخصبة للعنصرية المتفشية والمتأصلة، والتي هي الفيروس الحقيقي الذي يواجهه جو بايدن، كي يتمكّن من مواجهة جائحة كورونا، كي لا تطمر تحت الجذور العنصرية للثقافة الأميركية داخل المجتمع الأميركي، كما طمرت تحتها سياسات تمييزية كثيرة تطبع جوهر الاستغلال المتوحش للرأسمالية والنظام الاقتصادي العالمي، بسياساته الكارثية على العالم والشعوب، وليس داخل الولايات المتحدة وحدها. وبهذا يصبح إقرار القوانين المناهضة للتمييز والعنصرية، ووضعها موضع التنفيذ الفوري، بمثابة الإجراء الأول في التصدّي للجائحة، وكي لا تتوقف حركة "حياة السود مهمة" على السود وحدهم، بل تتعدّاها، كي تشمل كل حياة على سطح كوكب الأرض. .. هل سيتمكّن جو بايدن، بصحبة كاميلا هاريس، من ذلك؟ هي فرصة نادرة لديه أربع سنوات فقط لتحقيقها، أو أقله فتح ثغرة في هذا الجدار الأسود.