الأمن المائي وإيران
قطرات ماء تتساقط من صنبور ماء في حديقة في طهران (8/11/2025 فرانس برس)
يُمكن لإيران أن تكون نموذجاً للبلدان التي فشلت في محاربة التغيّر المناخي والاحتباس الحراري، خصوصاً في عجزها عن توفير المياه لسكّانها، وسط تكرار رئيسها مسعود بزشكيان، مرَّتَيْن على الأقلّ، نيّةَ إخلاء العاصمة طهران، ذات التسعة ملايين نسمة، إلى أماكن تتوفّر فيها المياه. صحيح أن جزءاً من تمويل مشاريع المياه مرتبط بالعقوبات الدولية على إيران، وهي ذريعة يُمكن استخدامها للدلالة على أن المجتمع الدولي يحرم الإيرانيين من المياه، غير أنه لا يُمكن للإيرانيين التباهي بصناعة الصواريخ والأسلحة والمفاعلات النووية، رغماً عن العقوبات. بين ذلك وذاك، يبقى الإنسان أكثر أهمية من الحروب... هذا بحث آخر.
ما الذي يعنيه شحّ المياه في إيران؟... يعني أمرَيْن أساسيَّيْن. الأول، أن الزيادة السكّانية لم يرافقها تنظيم البنى التحتية والموارد الأساسية. الأمر الثاني، أن الوقت قد فات دولاً عديدة، وضمنها إيران، لتعود إلى أساليب استخدام المياه التقليدية. لكن هنا لم تعد المسألة مرتبطة بإيران حصراً؛ العراق مثلاً يصارع لتأمين المياه لسكّانه، كذلك سورية ولبنان. لم تعد القضية متعلِّقةً بترفٍ اجتماعي أو نموٍّ اقتصادي، بل بالبقاء على قيد الحياة، بكل ما تحويه هذه الكلمة من معانٍ. الأمن المائي لم يعد "في المستقبل البعيد"، بل "الآن"، أي اليوم وفي اللحظة نفسها، وليس بعد دقيقتَيْن أو ساعتَيْن.
صحيح أنه سيحضر من يُخوِّن، ويتّهم، ويقول إن الأمور ليست بهذا السوء، لكنّها فعلاً كذلك، وأيُّ كلام آخر مجرّد كلام، لن يؤمّن مياه شفة لبيت عائلة إيرانية خلال أسابيع. من الصعب التكهّن بمستقبل كل شخص منا، لكن من السهل توقّع مستقبل الشعوب. الإيرانيون، لأنهم يعانون حقّاً في موضوع المياه، سيكونون حقل اختبار لكيفية المزج بين إنقاذ الأرواح والاقتصاد والمجتمع، وتأمين المياه بشكل دائم، وليس مؤقّتاً. التحدّيات هنا ليست بالقليلة. الحلّان، المؤقّت والمستدام يحتاجان وقتاً، وهو ما ليس متوافراً في الحالة الإيرانية، بينما قد يكون كذلك نسبياً في حالات العراق وسورية ولبنان. وإذا وُضعت الخلافات السياسية والأدوار السلبية لطهران في بغداد ودمشق وبيروت جانباً، فإنه لا بديل من تفاهم مائي بين هذه الدول، لتكون مثالاً مُصغّراً لتفاهم إقليمي واسع، وهو مشروع "ضوء السينكروترون للعلوم التجريبية وتطبيقاتها في الشرق الأوسط" (سيسامي)، المتعلّق بإعلان البلقاء، في الأردن.
المشروع ليس سرّاً، بل أُعلن تأسيسه في عام 2017، وهو مشابه لمشروع سيرن في سويسرا. أهمية العودة إليه تكمن في نقطتَيْن. الأولى، أن المشروع يجمع إيران وإسرائيل، من بين دول إقليمية عدّة، والعودة إليه بعد "7 أكتوبر" (2023)، والحرب الإسرائيلية الإيرانية (يونيو/ حزيران الماضي) بالغ الأهمية. لم يتوقّف المشروع، رغم كل شيء، وظلّ العلماء الإيرانيون والإسرائيليون فيه. النقطة الثانية، أن التفاهم الإقليمي في هذا المشروع منفصل عن السياسات المتبدّلة، ولو تحت مسمّيات أيديولوجية و"ثوابت"، ما يتيح نظرياً التعاون في مجال توفير المياه لكلّ سكّان المشرق، من سواحل المتوسّط إلى الحدود الإيرانية ـ الأفغانية.
بالطبع، سيكون هناك اعتراضات في البداية، لكن المياه التي شكّلت محور الهجرات البشرية عبر التاريخ، تبقى الحاجة الجوهرية لشعوب لن تهاجر من هذا المشرق. والبقاء قيد الحياة هنا، ليس متعلّقاً بموارد بشرية وطبيعية، بقدر ما يبدأ ألف باء كل شيء بصنبور مياه. ليس جوازاً الاعتماد فقط على الطبيعة وحركيتها لتأمين المياه. لو كان الأمر كذلك، لماتت دول الخليج من العطش، على سبيل المثال. لمن يقرأ المسار في العقود الأخيرة في المشرق، يدرك، بمعزل عن أيّ دراسة، أن الطقس تبدّل ولم يعد كما كان. على الدول أن تنخرط في سياق إنقاذ شعوبها، لا في تركهم يهيمون على وجوههم. ما يحصل في إيران لن يبقى فيها.