الأخلاق تِرياق فوضى السودان

11 نوفمبر 2025

(جاكسون بولوك)

+ الخط -

كأنّما استيقظ الضمير الأخلاقي على إيقاع الفظائع في الفاشر، أو ربّما وخزته ممارسات العنف الهمجي. لكن السؤال المركزي يتعلّق بما إذا كانت هذه اليقظة نوبةً عابرة، أم للسودانيين القدرة على الإبقاء عليها حالة صحوٍ دائمة؟ في الخيارين مطلوبٌ من الشعب أخذ المبادرة بين أسنانه بغية هرس خطايا الماضي وتعبيد دروب المستقبل. من التهوّر اللاعقلاني مجاراة تهويل استيلاء الجنجويد على الفاشر بمثابة الانهيار العظيم. ربّما دفع الحادثُ، بما انطوى عليه من توحّش مُروِّع، الشعبَ إلى حافة مفترق طرق وعرة، لكن التدحرج على أيٍّ منها لن يهبط بالدولة إلى قاعٍ بلا قرار، فولوجُ شعبٍ حالةَ فوضى ليس بكارثة، خصوصاً إذا حدث ذلك في إثر انهيار دولة استبدادية. هذه خلاصة لا تستدعي التوغّل في التاريخ والجغرافيا؛ فعقب انهيار نظام سياد بري الباطش في العام 1991 تنازع أمراءُ حربٍ على السلطة والثروة بقوة السلاح، لكن حياة الصوماليين أضحت أفضل ممّا كانت عليه تحت وطأة النظام الديكتاتوري المركزي. بالطبع، ليس هذا أنموذجاً يُقتدى به، لكن لا ينبغي لرُهاب الفوضى أن يفضي بالسودانيين إلى اليأس من القدرة على النهوض. الاستعصام بالأخلاق أبرزُ الأسلحة وأمضاها.

تقسيمُ الوطن خيارٌ عسير على القبول، بل جريمة سياسية في حقّ الشعب

نعم، مخيالُ الشعب مثقلٌ بجثث عشوائية ودمٍ مسفوك، قبور جماعية ومشاهد تقتيل مع سبق الإصرار. تلك كلفةٌ مؤلمة، لكنّها ليست الأولى من طرازها المقيت في سيرة الشعب؛ فكما في تاريخ جميع الشعوب، توجد منحنيات من الانكسارات والخيبات والانتصارات. ها هي الحرب في سورية حصدت أرواح 550 ألفاً؛ إذ لا يحقّ للسودانيين التباهي بما أنجزوا، فليس مطلوباً منهم الغرق في الدموع على ما فرّطوا. على إيقاع يقظة الضمير الأخلاقي ينبغي مواجهة أنفسهم بجرأة تتجاوز العتاب إلى المحاسبة بحيث لا يفلت كلّ من ارتكب خطيئةً في حقّ الشعب والوطن. الجريمة ضدّ الشعب لم تبدأ في الفاشر. مواجهةُ الذات واجبُ اللحظة التاريخية، مطلوب إنجازٌ حرٌّ طَلْق من دون المراوغة أو التردّد تحت حُمّى رُهاب الفوضى. جدلية السياسة والأخلاق مسألة فلسفية قديمة؛ كثيراً ما يحدث فصامٌ بين الأداء السياسي والمنظومة الأخلاقية. عبارة "لا أخلاق في السياسة ولا سياسة في الأخلاق" أضحت مثلاً يطابق الواقع السوداني خاصة، والعربي ربّما عامة.
تقسيمُ الوطن خيارٌ عسير على القبول، بل جريمة سياسية في حقّ الشعب؛ هي جريمة أشدُّ عسراً من تحمّل أعبائها وأثقل حمولةً من تبعاتها. لكنّه مصطلحٌ متداولٌ في الميديا السودانية على نطاق واسع. ما من طرفٍ سياسي يتمتّع بقدرات بسط سلطاته على ما يزعم أنه تحت سيادته؛ ذلك زعمٌ باطلٌ يستند القول به إلى وهنِ قوى الطرف المنافس ليس غير. صحيحٌ توجد قوى عسكرية منتشرة أو متمركزة في مواقع متباينة، لكنّها لا تعبّر عن هيمنة جيوسياسية على الواقع. كذلك توجد هياكل سلطات معلنة لكنّها بنيانٌ من ورق. الحديث عن بروز دولة البحر والنهر أو تأسيس دولة الغرب ضربٌ من الهذيان السياسي. أباطرةُ التقسيم لا يجرؤون على المجاهرة به واقعاً؛ على النقيض، هم يجنحون عمداً إلى التبرّؤ منه بقناعة أنه رجسٌ من عمل السياسة. حتى بعد انتصاره في الفاشر عاد حميدتي فأكّد تصميمه على الوحدة، وكذلك فعل مساعدوه الساسة. صحيح أنه تحدّث عن حكومة تأسيس، لكنّه لم يذكر أو يشر إلى دولة تأسيس، كما لم يصدر عن أيٍّ من قادة الحكومة العسكرية في بورتسودان ما يكرّس قيام دولة النهر والبحر.
وحدهم المستثمرون في الأزمة الوطنية والحرب الأهلية يحاولون تسويق وهم التقسيم العنصري. هؤلاء هم من يسعى إلى تعطيل يقظة الضمير الأخلاقي ثم إعاقة دولاب العدالة. هم أنفسهم تجّار انفصال الجنوب؛ إذ ظلّوا يروّجون الانفصال قبل وقوعه خيراً للشمال، كما ظلّوا يتجاهلون عمداً، مع سبق الإصرار، أمانيَّ جون قرنق الوحدوية في "سودان جديد"، بل جاهدوا في وصمه بالسعي إلى الانفصال. التاريخ أثبت أننا فقدنا قائداً وطنياً وحدويَّ الفكر والممارسة. يا للفاجعة؛ حدث ذلك في لحظة حرجة على وسادة أحلام السلام والوحدة والبناء. قطاعٌ عريض من بنات الجنوب وأبنائه أضحى يفترسه حالياً الأسى على تغليب الانفصال على الوحدة. مع ذلك لا أحد من تجّار التجزئة يريد التخلّي عن بيع أوهام الخيبة بدلاً من تسويق أحلام النهضة؛ هؤلاء تقلقهم صحوة الضمير الأخلاقي، القوة الحية البنّاءة للعدل والسلام والخير والجمال.

مواجهةُ الذات واجبُ اللحظة التاريخية، مطلوب إنجازٌ حرٌّ طَلْق من دون المراوغة أو التردّد تحت حُمّى رُهاب الفوضى

الدولة في حالة سيولة بلا أُطر؛ هي سيولة قابلة للاندياح في رقعة الوطن في ظلّ اتساع رقعة الاحتراب. كذلك يساهم وهن الإرادة السياسية المُعزَّزة بالغيرة الوطنية المفتعلة في فتح الأفق أمام انتشار الفوضى. لسوء قدر السودانيين أنه على قدر ما يعجّ المشهد باللاعبين في الشأن العام، على قدر ما يفتقد الشعب قادةً سياسيين يتمتّعون بالحكمة والنفوذ والقدرة على الجمع بين المتنافرين زمن الانكسارات. من المؤسف كذلك أن عدداً غير قليل من الدول في الجوار والإقليم، بالإضافة إلى قوى كبرى، تستفيد من حالة السيولة السودانية، بل يشكّل استمرار السيولة بيئة خصبة للاستثمار بغية تحقيق مصالح وجني مكاسب. هناك تضافر بين عناصر محلّية وقوى خارجية يقلقها أي جهدٍ دؤوب يستهدف تطويق تلك السيولة الراهنة واحتواء الفوضى والخراب. لذلك ينبغي إبقاء اليقظة الأخلاقية في حالة استنفار بغية درء مخاطر الجرائم ضدّ الشعب والوطن. هذا النداء لا يمنح أيّ نظام استبدادي حقّ الاحتكار، قمع المعارضين، مصادرة حقوقهم السياسية، دع عنك تجريمهم؛ فحتى مبدأ "لا جريمة إلا بقانون ولا عقوبة إلا بنص" لا يمنح النظام الاستبدادي تفويضاً بتقنين قمع الرأي الآخر.
كم كان الأستاذ إبراهيم أحمد نافذ الرؤى الوطنية عندما قال إبّان المساهمة في بناء مؤتمر الخريجين: "ستلعب الأخلاق دوراً مهماً في تاريخنا السياسي". هذا أحد بناة الحركة الوطنية، ثمّ وزير المالية في حكومة 1956، ومؤسّس البنك التجاري السوداني 1959؛ أحد آبائي من العقول الأبكار في دولة 1956، فَجِئني بمثله إذ جمعت بيننا حسابات الاستقامة الوطنية.