الأخلاقيات والانقراض السادس

10 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

دائماً ما تُطرح النقاشات حول أهمية الأخلاقيات في كل عصر من تاريخ البشرية، وقدرتها على كسر نمطية "الشرّ" أو "النوايا السيئة" بين إنسان وآخر، أو بين مجتمعٍ وآخر. ودائماً أيضاً ما يهرب الأفراد والمجتمعات إلى التمترس خلف الأديان والأعراق والقوميات، لتبرير تردّي الأخلاقيات تجاه الآخر. الأخلاقيات أيضاً لم تجد إلا مساحةً ضيّقةً في مجتمعٍ إستهلاكي متسارع، حيث تُصبح أنانية الكسب أقوى من أهمية الإنسان بذاته. وهو ما انعكس بالتالي على كل السلوكات المرتبطة بالمنظومة الرأسمالية الإستهلاكية، ضمن خوارزميةٍ اتخذت منحىً سلبيا. ساهم هذا النمط، في مكان ما، في تشكيل نوعٍ من اشتراكيةٍ إنسانويةٍ لدى بضع دول، ليست مثالية، لكنها أفضل بكثير من الرأسمالية. دفع هذا إلى تعظيم كل فعل خيرٍ يقوم به أي شخص أو فئة ضمن المنظومة الرأسمالية، فشركة "مودرنا" الأميركية متصدّرة السباق في إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا، أعلنت عدم تسجيلها براءة اختراع اللقاح إذا اكتُشفَ. طبعاً هناك من سيصفق وسيفرح وسيقول "لا يزال هناك بصيص من الأمل في البشرية". غير أن الفكرة لا ترتبط بهذا النوع من المديح، بل بضرورة تعزيز الأخلاقيات نمطا يوميا ممارسا، يغنينا عن صدامات فردية، وصولاً إلى حروبٍ عالمية.

مفهومٌ أن "الأنا" أساسية في تكوين الفرد، لكنها ليست بالضرورة أن تؤدّي إلى صدام دائم مع الآخر، وليس مطلوباً منها ذلك أصلاً، غير أن الأفراد والمجتمعات، وبدوافع عدة نابعة أكثرها من خوف من مجهول، تحديداً في زمن قلقٍ مثل زمن كورونا الحالي، ينصبون ستاراً حول هذه "الأنا"، لتُصبح أكثر ظلماً وأكثر تجاوزاً للأخلاقيات. ويظهر ذلك في يومياتنا، فترى شخصاً يوجّه إليك كلاماً سلبياً، فقط لأنك أدنى منه بالنسبة إليه، وتجد مجتمعاً يحكم بشدّة على مجتمع آخر بفوقيةٍ لامتناهية، فقط لأنه من دين أو عرق مغايرين. وينسى كثر أنه على الرغم من عشوائية تردّي الأخلاقيات، إلا أنها تتشكل ككتلة سلبية واحدة على المستوى الإنساني. الأمر شبيه بتلوّثٍ تبثه معامل في مدينة صناعية، فإذا كنتَ واقفاً في وسطهم سترى دخان التلوث الصادر عن كل معمل، لكن إذا نظرت إليها من أعلى، ستجد أن أدخنة كل المعامل قد التحمت في غيمةٍ سوداء واحدة، تؤثر سلباً على البيئة، من هواء وماء وتربة وإنسان وحيوان، وتساهم في التغيّر المناخي. وفي حال لم تتم معالجة أدخنة المصانع، عبر اعتماد أنظمة بيئية سليمة، فإن كوكب الأرض سيُصبح أقرب إلى الإنقراض السادس في تاريخه. وكذلك الأخلاقيات، فإن لم يعد تنظيمها بشكلٍ يحمي حق كل إنسان، فإن تدهور العلاقات بين البشر سيُفضي إلى موجاتٍ متلاحقةٍ من العنف العقلي والنفسي والجسدي، ليتحوّل الانقراض البشري حقيقة أكيدة في لحظة ما.

لا يمكن التعليل بصعوبة الحياة، كي يتم إبعاد الأخلاقيات عن الساحة. يمكن ببساطةٍ أن يفكر الإنسان مرتين قبل أن ينطق ما يقول، ويُمكن أن يتخلّى عن النفاق والكذب، لأنهما لا يبنيان "أنا" خاصة به، بل يصنعان قنبلةً موقوتةً داخله، ستنفجر به وحده في يومٍ ما. لا يمكن للإنسان أن يظنّ نفسه أنه أفضل من الآخر، سواء كان مختلفاً عنه بالدين أو العرق أو القومية أو النظرة السياسية أو غيره، فكل السوابق التاريخية أفضت إلى حروبٍ ودمارٍ وإطاحة حضارات. الأخلاقيات في عالم الذكاء الإصطناعي الذي يتشكّل تبقى أساسية من أجل نقل البشرية إلى مرحلة جديدة فكرياً، يكون الهدف الأساسي فيه كيفية تأمين الحاجات الإنسانية، من دون أن تكون على حساب إنسان ما، لأنه "ضعيف وغير قادر على المقاومة". بكل بساطة، يتحدّث العالم عن كورونا بكثافة، لأنها طاولت العالم الصناعي، بينما لو انتقلت إلى أفريقيا مثلاً وبقيت فيها، لمَا انتبه العالم، ولكان ظنّ الفيروس الجديد نوعاً من الملاريا أو إيبولا. التخلّي عن الأخلاقيات سيُنهي البشرية.