الأخطاء العشرة لإسلاميي المغرب في الحكومة

الأخطاء العشرة لإسلاميي المغرب في الحكومة

10 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

أمضى حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) عشر سنوات في رئاسة الحكومة بالمغرب، بعد تصدّره نتائج استحقاقين انتخابيين متتابعين؛ عامي 2011 (107 مقاعد) و2016 (125 مقعدا). اختبر خلال هذه العشرية، ومن موقع المسؤولية، خيار "الإصلاح في ظل الاستقرار" الذي يترجم أطروحة الحزب حول "البناء الديمقراطي"، بدلا من "النضال الديمقراطي" زمن المعارضة. ويدافع، باستماتة وقوة كبيرتين، في عزّ الحملة الانتخابية، عن حصيلته الحكومية المتواضعة؛ سيما في الولاية الثانية، أملا في إقناع المغاربة بتجديد الثقة فيه.

يظهر أن شرعية الإنجاز لن تسعف كثيرا حزب المصباح في إقناع الرأي العام، فأداء حكومة سعد الدين العثماني هزيل، بالمقارنة مع حكومة سلفه عبد الإله بنكيران. كما أن شهوة السلطة وحلاوة المنصب دفعتا الإسلاميين نحو الاستسلام عند أول اختبار، فارتكبوا أخطاء قاتلة، هزّت بنيان الحزب، بعد تحوّل الأزمة التنظيمية إلى أزمةٍ سياسية، فقد على أثرها الحزب البوصلة، وفقد معها قاعدة شعبية من المساندين؛ (القوى والفاعلين الديمقراطيين) بعيدا عن الصف الإسلامي.

صحيحٌ أن حزب العدالة والتنمية بقي الكيان الوحيد، ضمن قائمة الأحزاب الممثلة للإسلام السياسي في العالم العربي، الذي نجح في الحفاظ على موقعه، بفضل الوفاء للبراغماتية، وسلِم نسبيا من رياح الثورة المضادّة التي أعقبت الربيع العربي، لكن هذه السلامة كانت لها أثمان، دفعها الإسلاميون بالتقسيط مواقف وتنازلات وتبريرات، لتتوالى بذلك السقطات أو الأخطاء التي أتت على مصداقية الحزب، ومعه اللعبة السياسية برمتها؛ فلا ترافع إيديولوجي ولا برامج انتخابية، في معركةٍ كبرى بلا رهان.

أولا؛ التفريط في الهوية الإسلامية، بعدما كان الحزب يُميّز نفسه بها، منذ دخوله المشهد السياسي، في سياق المقارنة مع باقي الأحزاب السياسية، ويحض الأعضاء والمناضلين على التمسك بقواعدها، من أجل تقديم نموذج يصنع الفارق في مشهد سياسي معطوب. وكانت هذه المرجعية إحدى الركائز التي قدمها الأمين العام السابق، عبد الإله بنكيران، خلال المؤتمر الاستثنائي، لتصحيح مسار الحزب. فبعد توقيع رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، على اتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني، جاءت مصادقة المجلس الحكومي على مشروع قانون لتقنين زراعة القنّب الهندي (مخدّر الحشيش). وقبلها كانت واقعة قانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين التي أوجبت فرنسة التعليم بديلا عن اللغة العربية، ذلك كله في تناقض صارخ مع مرجعية الحزب وهويته.

لا وجود في أرشيف الحزب لوثائق، خلال توليه قيادة الحكومة، تقدّم مراجعة نقدية أو تقييما موضوعيا لتقلبات الحزب من صفوف المعارضة إلى مواقع التسيير

ثانيا؛ الانقلاب على المبادئ، فقد انقلب الشعار الراسخ لحزب المصباح "صوتك فرصة ضد الفساد والاستبداد"، مع مرور الوقت، داخل المكاتب الحكومية إلى النقيض تماما، فواجه الإسلاميون مختلف صور الفساد من ريع وزواج السلطة بالمال .. بسياسة "عفا الله عما سلف". وبدل التصدّي للاستبداد، عمد إخوان بنكيران إلى التطبيع مع هذا الاستبداد، بالبحث في أدبيات التراث الإسلامي عن حيل تبريرية غير مقنعة لهم، فكيف تقنع الآخرين؟ ألم تناصر قيادة "العدالة والتنمية" الاستبداد، حين عمدت، بمعية أحزاب أخرى، إلى التوقيع على بيان تخوين قادة حراك الريف، ثم تبرير ما حدث من عنف ومحاكمات لنشطاء الحراك.

ثالثا؛ الأزمة الديمقراطية. على مدار ولايتين حكوميتين، لم يتمكن الحزب من مراجعة مساطر داخلية كثيرة، في ما يتعلق بقواعد الترشيح للمناصب والمسؤوليات. فلدى هياكل الحزب مطلق الصلاحية، إلى درجة أن العضو في الحزب لا يرشّح نفسه، وإنما تختاره هياكل الحزب. ما ولّد مشكلة تكريس الزعامات، بتزكية أسماء، للمرة الثالثة والرابعة والخامسة، لتُسقط بذلك فكرة التداول أحد مطالب الحزب زمن المعارضة. ويحدُث أن تكون التزكية ضدا على إرادة القواعد الحزبية، ما تسبّب في استقالات جماعية في عدّة مواقع (تمارة، آسفي، أكادير ..).

رابعا؛ ضمور ثقافة النقد الذاتي، إذ لا وجود في أرشيف الحزب لوثائق، خلال توليه قيادة الحكومة، تقدّم مراجعة نقدية أو تقييما موضوعيا لتقلبات الحزب من صفوف المعارضة إلى مواقع التسيير. وحتى ما أعقب واقعة إعفاء الأمين العام، عبد الإله بنكيران، التي مثّلت أخطر منعطفٍ في مسار الحزب، كان أقرب إلى جلسات استماع ومكاشفة بين الإخوان، بعد فقدان القيادة، منه إلى حوار داخلي للنقد والتقييم والتصويب.

خامسا؛ الفشل في إدارة التحالفات الحزبية، وهذا ما تكشف عنه تفاصيل واقعة تمسّك بنكيران بمشاركة حزب الاستقلال في الحكومة، ورفضه، في المقابل، دخول حزب الاتحاد الاشتراكي. وكان ذلك أحد أسباب عرقلة ولادة حكومته الثانية، قبل أن يأتي سعد الدين العثماني فيقبل شروط زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار بدون مناقشة أو تعديل. ثم جاءت واقعة فك الارتباط بحزب التقدم والاشتراكية، صاحب التحالف الاستراتيجي مع حزب المصباح منذ بداية الربيع العربي، لتُظهر وهن الحزب في صناعة الأحلاف وإدارتها.

يمزج الحزب بين خطاب المظلومية في الحملات الانتخابية، مقابل خطاب التبرير للسلطة من موقع المسؤولية

سادسا؛ خطيئة "الأصالة والمعاصرة". كان هذا الحزب، منذ تأسيسه إلى وقت قريب، في مرمى نيران الإسلاميين قيادة وقواعد، حتى قيل إن تأسيس حزب الجرّار، عام 2008، كان أفضل هدية قدّمها المخزن لبنكيران لمضاعفة شعبيته. كل هذا التراشق والتنابز، أزيد من عشر سنوات، انتهى قبل أسابيع، بعد إقدام قيادة الحزبين على التحاور والتشاور في أفق التحالف مستقبلا. هكذا يصبح الاشتغال مع حزبٍ بنى الإسلاميون جزءا من شرعيتهم على مواجهته مقبولا ومباحا، بعد أن كان ممنوعا ومحظورا في الماضي.

سابعا؛ العناية بالتدبير (الإدارة والتسيير) على حساب التنظيم، إلى درجة يمكن معها القول إن إسلاميي حزب العدالة والتنمية استغرقتهم المهام التدبيرية والمسؤوليات؛ مركزيا في الوزارات، ومحليا في الجماعات والبلديات. وأغفلوا البناء التنظيمي وتجديد الدماء بواسطة خطط الاستقطاب المألوفة وأساليبها، وإنعاش الحواضن الاجتماعية، وفي مقدمتها حركة التوحيد والإصلاح، الذراع الدعوية، لمزيد من العمل. يكاد يقترب حزب العدالة والتنمية، في هذه الحالة بالضبط، من جل الدكاكين السياسية التي تؤثث المشهد المغربي، ولا تنفث الغبار عن نفسها حتى تقترب الانتخابات.

ثامنا؛ ازدواجية الخطاب. يمزج الحزب بين خطاب المظلومية في الحملات الانتخابية، مقابل خطاب التبرير للسلطة من موقع المسؤولية، فأنصاره لا يتوقفون، طوال أيام الحملة الانتخابية، عن الجهر أمام المواطنين، إن السلطة تخشى حزب المصباح، لذلك مثلا فرضت القاسم الانتخابي، وكل ما قبله وبعده، من قراراتٍ لإرباك شعبية حزب العدالة والتنمية واستهدافه. ولكن سرعان ما ينقلب إلى الضد بالدفاع عن أخطاء السلطوية، وكأنه يحاول تقديم قرابين لها نظير إناطة المسؤولية به، حتى إن الحزبيين فيه صاروا، في بعض المواقف، مخزنيين أكثر من المخزن نفسه، من شدّة دفاعهم عن خطاياه (حراك الريف مثلا).

يحاول الإسلاميون، عند كل مناسبة وأحياناً بدونها، بثّ رسائل إلى النظام تعبيراً عن حسن النيات

تاسعا؛ التماهي مع السلطة. منذ دخولهم المشهد السياسي، عام 1996، باسم حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، يحاول الإسلاميون، عند كل مناسبة وأحيانا بدونها، بثّ رسائل إلى النظام تعبيرا عن حسن النيات. وجاء تولّيهم رئاسة الحكومة مناسبةً مُثلى لإسقاط فزّاعة "الإسلاميين"، من خلال تزكيتهم شعار "المشاركة لا المغالبة"، فمجرّد حضور الحزب في المشهد السياسي بذاته إنجازٌ يستحق الإشادة. جعلهم ذلك كله ينبطحون، المرّة تلو الأخرى، أمام المخزن، قصد إبعاد الشكوك والظنون. فيما القاعدة تفرض على الحزب مسافة أمان، تمكّنه من الانفصال عن السلطة، والحفاظ على كيانه الحزبي بعيدا عن أخطاء السلطة.

عاشرا؛ التفريط في قيادة الحزب، بقبول تنحية عبد الإله بنكيران من تشكيل الحكومة الثانية، بعد انتظار دام عدة أشهر، وإسناد الأمر إلى العثماني الذي أخرجها إلى حيز الوجود في زمن قياسي. ارتكبوا هنا خطأ مزدوجا، فالأمين العام للحزب، وهو يفاوض مجرّد معبر عن مواقف ومنفذ لقرارات الأمانة العامة؛ فالتخلي عنه تخل عن المؤسسة صاحبة القرار. كما أنه يبقى في هذه المعركة مجرّد مدافع عن الإرادة الشعبية التي ساهم فيها تحقيقها بنصيب كبير، فهو صانع ألعابٍ ماهر نجح في مصالحة المغاربة بالسياسة. ومثّل التفريط فيه رسالة سلبية من الحزب إلى هذه الجماهير، مضمونها أن الخضوع لرغبات مربع الحكم أهم من الانتصار للقواعد الشعبية.