الأثر الحقيقي بعد الرحيل

29 يناير 2026

(شفيق عبود)

+ الخط -

"المهم أن تترك وراءك أثراً بعد رحيلك، هذا هو الإنجاز الحقيقي".

كتبتُ هذه العبارة على عجلٍ ظاهري، وبتمهّلٍ داخلي، وأنا أوقّع نسخة من أحد كتبي لكاتب شابٍ، طلب توقيعاً ولم يطلب نصيحة، غير أنّ العبارة خرجت وحدها، كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة لتقال، لا لتُهدى، بل لتُختبر.

لاحقاً، وجدتني أفكر بما كتبت كما لو أنّه موجّه إلي، وليس له، فالقلم حين يكتب للآخرين يترك شظايا من الحقيقة في طريقه، ثم يعود ليلتقطها الكاتب متأخّراً، ويفكّر، ويتساءل، ويعيد ترتيب علاقته بما قال. ما هو هذا الأثر الذي نطلبه، ونتغنّى به، ونضعه في مواجهة الرحيل؟ وهل هو فعل كبير، أم مسافة صامتة نتركها في حياة أحدهم من دون أن ندري؟

الأثر لا يحب الأضواء، ولا يتغذّى على التصفيق، هو كائن هادئ، يمشي على مهل، ويتسلّل إلى الأمكنة من دون استئذان، ويستقرّ حيث لا ننتبه، في ذاكرة قارئ، وفي شجاعة تلميذ، وفي سؤالٍ ظلّ مفتوحاً لأن أحدهم لم يغلقه بإجابة سهلة. الأثر ليس ما نعلّقه على الجدران، بل ما يعلّقنا نحن في ضمير الآخرين.

كثيرون يخلطون بين الإنجاز والحضور، وبين البقاء والتكرار، وبين الأثر والعدد، ويحسبون أنّ ما يُقاس يمكن أن يكون مقياساً للمعنى، غير أنّ المعنى لا يخضع للحساب، ولا يدخل الجداول، ولا يطيع الخوارزميات، المعنى يعيش في منطقة هشّة، بين ما قيل وما لم يُقل، بين ما فُهم وما ظلّ عالقاً، بين ما أحدث رجّة صغيرة في الروح وما مرّ عابراً كأي خبر.

حين أفكّر في الأثر لا أفكّر في الكتاب الذي يُباع، بل في الجملة التي تُنقذ، ولا أفكّر في المنبر، بل في الصدق، ولا أفكّر في الصورة، بل في الأثر الذي تتركه الكلمة حين تُقال من مكانها الصحيح. والكتابة، في جوهرها، ليست مهنة، ولا استعراضاً لغويّاً، ولا منافسة خفيّة، بل مسؤولية، ومخاطرة، واختبار أخلاقي دائم، لأن الكلمة إمّا أن تفتح باباً أو تُغلق نافذة وإما أن تمنح القارئ نفسه أو تسلبه إيّاها.

لم يكن ذلك الشاب الذي طلب توقيعي يبحث عن جملة جميلة. كان يبحث عن إشارة، عن دليل، عن يقين صغير يقول له إن الطريق، رغم وعورته، يستحق المشي. وربما كنتُ أنا، في لحظة التوقيع، أذكّر نفسي بما نسيته تحت وطأة الكتابة والنشر والانتظار: أن المرء لا يُقاس بما أنجزه في حياته فقط، بل أيضاً بما تركه في حياة الآخرين بعد أن غادر المشهد.

لا يحتاج الأثر إلى زمن طويل ليظهر. أحياناً يولد فوراً، وأحياناً يتأخّر، وأحياناً لا نراه أبداً، لكنه يحدث، بصمت، وبثبات، وبلا ادّعاء. وربما أجمل ما في الأثر أنّه لا يشترط الكمال، بل الصدق، ولا يشترط البطولة، بل النزاهة، ولا يشترط الصوت العالي، بل النبرة التي تعرف متى تصمت.

وحين نرحل، لا يحملنا أحد كما نحن، بل كما حاولنا وأثّرنا ولمسنا وأخطأنا، وأيضاً كما تركنا فجوة صغيرة أو ضوءاً خافتاً في طريق أحدهم. لذلك، لا يبدو الإنجاز الحقيقي في أن نُرى، بل في أن نُحسّ، ولا في أن نُذكر، بل في أن نُحدث فرقاً، مهما بدا صغيراً. المهم أن نترك أثراً، لأن الأثر وحده يعرف كيف يعيش بعدنا. ولعلّ أجمل ما يمكن أن يطمئن به المرء قلبه، وهو يمضي في طريقه المتعرّج، أن يعرف أنّه لم يعش عبثاً، وأن كلماته لم تكن زينة لغوية عابرة، وأن حضوره، مهما بدا محدوداً، قد لمس أحداً في لحظة هشّة، أو أنقذه من عزلة، أو منحه شجاعة لم يكن يعرف أنّه يملكها.

الأثر لا يطلب الخلود، ولا يعِد بالنجاة من النسيان، لكنه يمنح الرحيل معنى، ويمنح الحياة قبل ذلك سبباً أعمق لأن تُعاش بوعي ومسؤولية ومحبة خفيّة لا تحتاج إعلاناً.

CC19B886-294F-4B85-8006-BA02338302F0
سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية، من مجموعاتها الشعرية "ليل مشغول بالفتنة" و"مجرد امرأة مستلقية"، ولها مؤلفات نقدية وكتب للأطفال. فازت بعدة جوائز، وشاركت في مهرجانات ومؤتمرات عدة.