اغتيال فخري زادة وأفق المواجهة المحتملة

01 ديسمبر 2020
الصورة

لوحة تكريمية للعالم الإيراني محسن زاده في طهران (30/11/2020/فرانس برس)

+ الخط -

عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي، في مؤتمره الصحافي، العام 2018، الذي خصّصه للكشف عن "الأرشيف النووي السري" الإيراني، صورةً للعالم الإيراني محسن فخري زادة، ووصفه بأنه "رجل الظل" الذي يترأس "مشروع عماد" الإيراني، الهادف إلى تطوير أسلحة نووية، وقال: "تذكروا هذا الاسم". وبعد حوالي عامين، في يوم 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، وبعد محاولات فاشلة، تمكّنت إسرائيل من اغتيال زادة في آبسرد شرقي العاصمة طهران. ليكون ذلك ضربة أخرى ضمن ضرباتٍ متتاليةٍ تعرّضت لها مواقع نووية وعسكرية إيرانية، تكاثفت، على ما يبدو، نتيجة سطو إسرائيل على وثائق نووية إيرانية سرية كانت مخبأة في منطقة في جنوب طهران، خصّص نتنياهو مؤتمره الصحافي للحديث عنها.
رفض نتنياهو التعليق على حادث الاغتيال، ما كان متوقعا، فقد نفت حكومته على مدار العقد الماضي عمليات الاغتيال والتخريب السرية التي استهدفت علماء ومنشآت نووية داخل إيران، ولم تعترف بمسؤوليتها عنها. ولكن، في 2012 اعترف أحد المتهمين بقتل عالم نووي إيراني، قبل إعدامه، بأنه سافر إلى تل أبيب، وتلقى تدريبا من المخابرات الإسرائيلية الخارجية (الموساد). وسبق لمسؤولين إسرائيليين أن اعتبروا استهداف قاعة تجميع أجهزة الطرد المركزي في محطة نطنز النووية الرئيسية في إيران، قبل أشهر، بداية سلسلة عمليات سرّية لتقويض برنامجي إيران، النووي والصاروخي. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن زادة "كان منذ فترة طويلة الهدف الأول لجهاز الموساد"، ونقلت عن مسؤولين أميركيين اعتقادهم أن إسرائيل وراء عملية اغتياله، وأنها أرادت أن ترسل بذلك رسالة "تهديد" إلى العلماء الآخرين في البرنامج النووي الإيراني.

في 2012، اعترف متهم بقتل عالم نووي إيراني، قبل إعدامه في طهران، بأنه سافر إلى تل أبيب، وتلقى تدريباً من الموساد

بعد شهر من مؤتمر نتنياهو الصحافي ذاك، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران الذي وقعته إدارة أوباما العام 2015، ولقي معارضة شديدة من إسرائيل وخصوم إيران في الخليج. أصبحت استراتيجية الضغوط القصوى أسلوب ترامب الأمثل في التعامل مع طهران، (مع توجيه لها بمشاركة إسرائيلية ضربات عسكرية وسيبرانية مدروسة)، مبرّرا ذلك بأن الاتفاق لا يعالج جميع المخاوف الأميركية المتعلقة ببرنامج إيران للصواريخ الباليستية، ودعمها المليشيات المسلحة التابعة لها في المنطقة. وفي حين تبنّى ترامب علنا، في يناير/ كانون الثاني الماضي، اغتيال القائد العسكري الإيراني، قاسم سليماني، فإنه اكتفى بالإعراب عن حماسه للعملية، حين أعاد تغريدة لصحافي إسرائيلي وصف العملية الناجحة بأنها "ضربة نفسية ومهنية كبيرة لإيران"، ومن غير المرجّح أن يكون نتنياهو قد مضى في تنفيذ العملية من دون علم ترامب.

استراتيجية الضغوط القصوى أسلوب ترامب الأمثل في التعامل مع طهران

على الرغم من أهمية زادة وإدارته المعرفة النووية الإيرانية، لا يمكن أن تُبقي طهران تلك المعرفة في يد رجل واحد، ولن يشكّل موته ضررا دائما لبرنامجها النووي. ومع أن الإعلام الإيراني تعامل مع زادة بوصفه بطلا قوميا، إلا أن ردود الفعل الشعبية لم ترق إلى مستوى الغضب العارم الذي أحدثه اغتيال الجنرال قاسم سليماني ورفاقه، يناير/ كانون الثاني الماضي، فعلى خلاف الأخير، لم يكن لزادة حضور عام. وعلى الرغم من توعّد المحافظين بالانتقام، لا تتوفر، هذه المرّة، ضغوط شعبية تستدعي ردا سريعا، ولو محدودا، لتبيض ماء الوجه، كالذي اضطرت له إيران بعد اغتيال سليماني، بقصفها مواقع في العراق فيها جنود أميركيون بصواريخ باليستية. وعلى الرغم من لجوئه إلى العبارة الروتينية "الرد في الوقت المناسب"، إلا أن الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اعتبر أن الشعب الإيراني حكيم بما يكفي لكي لا يقع في "فخ النظام الصهيوني". لا ترغب إيران بمنح إسرائيل، وإدارة ترامب، فرصة التشويش على المسار الذي ترغب الإدارة الأميركية المضي فيه، ويبدو أنها عازمة على التمسّك بسياسة التهدئة التي اتبعتها طهران مع انطلاق السباق الرئاسي نحو البيت الأبيض، انتظارا لوصول بايدن إلى السلطة، في ظلّ قلقها من سلوكٍ غير متوقع من ترامب خلال مرحلة انتقالية فوضوية، قد تمنحه فيها أي توترات محتملة مبرّرًا للقيام بهجمات في أسابيع وجودها الأخيرة، إذ أكدت مصادر عراقية أن قائد الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، وجّه بعض المليشيات العراقية لإيقاف الهجمات على المصالح الأميركية في العراق والمنطقة، مطالبًا إياها أن تتحلّى بالهدوء. وكذلك فعل حزب الله، بتوجيهاتٍ من أمينه العام حسن نصر الله.

على الرغم من أهمية زادة وإدارته المعرفة النووية الإيرانية، لا يمكن أن تُبقي طهران تلك المعرفة في يد رجل واحد، ولن يشكّل موته ضررا دائما لبرنامجها النووي

غالبا سيستمر ترامب، وحلفاؤه في المنطقة، في إلقاء الأحجار في مجرى نهر الديبلوماسية المتوقع تدفق مياهه مع وصول بايدن إلى السلطة، ومن غير المؤكّد أنهم على استعداد لتوجيه ضربة عسكرية خاطفة إلى إيران، قد تفتعل حربا إقليمية، ولا مواجهة ردود فعل إيرانية في حال تكرار الهجمات على مواقع نووية أو عسكرية أو سيادية إيرانية، تحرج القيادة الإيرانية أمام جمهورها، ومع استعجال إسرائيل للمواجهة مع إيران، لم يتّضح ما إذا كانت قد نسّقت في ذلك مع الدول الخليجية المتحالف معها التي ستكون في مرمى النيران الإيرانية، وقد تشهد أراضيها تصفية حساباتٍ بين إيران وإسرائيل، سيما بعد أن أصبحت لإسرائيل سفارات ودبلوماسيون ومكاتب تمثيل تجاري، في منطقةٍ يشكّل فيها السكان المنتمون للمذهب الشيعي نسبة لا يمكن تجاهلها. وقد يدخل اغتيال سياح أو دبلوماسيين إسرائيليين أو خطفهم عنصرا جديدا ضمن عناصر المواجهة.
على الرغم من تصريحات سابقة لترامب ومعاونيه عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، فإن تحرك بعض القوات العسكرية الأميركية غير الاعتيادية لا يعني أكثر من رسائل سياسية موجهة إلى إيران، حتى تحريك حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس نيميتز" نحو الخليج العربي بعد ساعات من اغتيال زادة، فجاء في سياق خطةٍ سابقة، هدفها توفير غطاء جوي، ودعم قتالي للقوات الأميركية، بعد انسحاب عناصرها من كل من العراق وأفغانستان، في 15 يناير/ كانون الثاني المقبل، الانسحاب الذي التزم به ترامب، ويتفق مع توجهات الإدارة الأميركية المرتقبة، يتعارض مع حربٍ جديدة قد تحافظ على القوات الأميركية في المنطقة فترة أطول.
أدركت إسرائيل أنها إن لم تقم بعملية الاغتيال هذه، وتتجنّب أي تبعات ديبلوماسية أميركية، في ظل إدارة ترامب، فإنها لن تتجنبها في ظل إدارة بايدن، ومن خلفه الديمقراطيون اليساريون، وهي عمليةٌ تحتاج تخطيط أشهر على أقلّ تقدير، مهما تحدّثنا عن اختراقات في المنظومة الأمنية الإيرانية. قد تمنح إدارة ترامب فرصة استغلال ما تبقى لها من وقت لإسرائيل لتوجيه ضرباتٍ لطهران، لن تتعدَّى غالبا نمط الحرب الاستخباراتية أو السيبرانية، بحيث تضمن ألا يتجاوز أي رد فعل إيراني، قبل 20 يناير/ كانون الثاني المقبل، هذا الإطار، لكنها قد لا تغامر في منحها تفويضا للقيام بعمليات عسكرية مباشرة. عدا ذلك، تكون إسرائيل، وربما بتواطؤ مع حلفاء لها في الخليج، ينوون توريط إدارة ترامب قبل رحيله في حماقة، تكون كارثيةً على المنطقة.