اغتيالات العراق والانتفاضة المقبلة

اغتيالات العراق والانتفاضة المقبلة

19 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

من يتتبع أخبار العراق، منذ عام 2005 تحديداً وحتى العام الجاري (2021)، قد لا يجد فروقاً كبيرة في تفاصيل ملفات البلد، الأمنية والسياسية والاقتصادية؛ فعمليات المحاصصة الطائفية جارية على قدم وساق، من قمة هرم النظام السياسي وحتى أصغر الوحدات الإدارية والتعليمية، ومظاهر العنف والتهجير والتغييب القسري والاعتقالات والاغتيالات تمضي بشكل محكم، وبحسب أجندةٍ تنفذ بدقة، لمنع الشعب العراقي من ممارسته حقوقه الديمقراطية والإنسانية، في المطالبة بالحكم الرشيد، والحفاظ على سيادة العراق، وتحقيق العدالة وتنزيه القضاء، وتحقيق الرفاه الاجتماعي. كما تتداول وسائل الإعلام، بشكل مستمر، وبخطوط بيانية تنحدر بقوة نحو الأسفل، سنةً بعد أخرى، حالة الاقتصاد العراقي المتردّي بكل تفاصيله، وزيادة حجم الديْن العام، وتراجع قيمة الدينار العراقي، المتدنية أصلاً، بما صَعّبَ حياة العراقيين وعقّدها، وأوجد حالة من الفساد العام لكل البنى التشريعية والتنفيذية، وحتى القضائية، في الدولة.

وأيضاً لا يخفى على أحد أن هذه الأحوال في بلدٍ مثل العراق أفرزت انتفاضات جماهيرية كبيرة في عدة مدن، بدءاً من عروس الجنوب، البصرة الفيحاء، وانتهاءً بالموصل الحدباء في أقصى الشمال، مروراً بالعاصمة بغداد، جلها عفوي وسلمي، وكلها قوبلت من أجهزة النظام في العراق بالعنف المفرط وسلسلة طويلة من المتابعات والاعتقالات والاغتيالات التي طاولت نشطاء سياسيين ودعاة لحقوق الإنسان وصحافيين عراقيين وغير عراقيين وآخرين.

مثّلت انتفاضة تشرين 2019 قمة حركة الاحتجاجات العراقية ضد النظام السياسي

مثّلت انتفاضة تشرين 2019 قمة حركة الاحتجاجات العراقية ضد النظام السياسي بشكل عام، والذي اتسم بالنسبة للعراقيين بكل مظاهر الفساد، وهي أكثر انتفاضة شارك فيها كل العراقيين؛ فعلياً، بالحضور والوجود في ساحات الاعتصام في العاصمة بغداد، وكل محافظات الجنوب، أو محاولات الوصول إلى المنطقة الخضراء، معقل النظام السياسي العراقي بجملته، كما أنها أكثر (وأهم) الحركات السياسية المعبّرة عن حالة الشعب العراقي، ورغبته في الخلاص من الأوضاع المزرية معيشياً وأمنياً، وأيضاً من تدخل دول جوار العراق بشكل سافر في شؤونه، بما أفقد البلد معنى السيادة الوطنية بشكلٍ يلمسه كل عراقي، مهما كان مستواه العمري أو المعرفي. لذلك كله، أجبرت هذه الانتفاضة العالم كله على متابعتها أولاً، ثم التعاطف مع الحالة العراقية التي تحاول دول بعينها أن تختزلها بـ "الديمقراطية" المزعومة التي وفرتها عقب احتلال العراق. قدّمت انتفاضة تشرين 2019 نحو 800 ضحية، وما يناهز 27 ألف جريح، واستمرّت عدة أشهر، حيث نجحت في إجبار حكومة عادل عبد المهدي على الاستقالة، وتحديد موعد لإجراء انتخابات مبكّرة، قدّمه رئيس الوزراء المكلف، مصطفى الكاظمي، لكن الأمر الأهم بالنسبة للمنتفضين، والذي لم يتم المساس به من الحكومة ومجلس النواب، هو موضوع التدخل الإقليمي المباشر في الشأن العراقي، ما يعني إبقاء بوابة السيادة العراقية مفتوحاً لتدخلات دول الإقليم وبدرجات مختلفة.

فرق الموت التي ظهرت في عام 2006 بشكل واضح، من دون أن يعلن أحد عن مرجعيتها، قضى كل ضحاياها تقريباً بطلقة واحدة في الرأس، وتفيد الإحصاءات أن عدد المغدورين بلغ عشرات الآلاف، وأنها كانت إحدى وسائل تكريس الطائفية في العراق، وقد تحولت إلى اليد الطولى في الدولة العميقة في العراق، جرّاء وجود قيادات هذه الفرق ضمن النظام السياسي القائم هناك. فرق الموت هذه عادت وبقوة لتعمل على تصفية النشطاء خلال تظاهرات انتفاضة تشرين 2019 واعتصاماتها، حتى وصفتها الحكومة العراقية بـ "الطرف الثالث"، من دون أن تلقي القبض على أيٍّ من عناصر القنص والاغتيالات خلال الانتفاضة أو بعدها.

تتشكل في الأفق القريب جداً مظاهر انتفاضة جديدة، يقول عنها بعضهم إنها لن تكون سلمية، وستغيّر الواقع الفاسد، وتجتث كل دور إقليمي في العراق

فجّرت أخيراً عملية اغتيال الناشط المدني إيهاب الوزني، الذي يُعد من أبرز الأصوات المناهضة للفساد وسوء إدارة الدولة، والمنادي بالحدّ من نفوذ إيران والجماعات المسلّحة في المدينة المقدّسة كربلاء، وما تبعها من محاولة لقتل الصحافي أحمد حسن في محافظة الديوانية، فجرتا احتقانات الجمهور العراقي بشكل عام، وفي محافظات الجنوب خصوصاً، حتى بدأ الإعلان عن أسماء حركات وتنظيمات شبابية تعد بأن تقتص من قتلة العراقيين بهذه البشاعة، وتحمّل الحكومة العراقية حالة الفلتان الأمني وبقاء السلاح المنفلت بأيدي فرق الموت التي تتهمها هذه الحركات بأنها تأتمر بإمرة دولة جارة للعراق، حتى إن بعضها أعلن مسؤوليته عن محاولة حرق القنصلية الإيرانية في كربلاء، وهدّد الآخر برفع صفة "السلمية" عن الانتفاضة المقبلة، لتفويت الفرصة على الجهات وراء استمرار عمليات الاغتيالات النوعية لقادة الحراك المدني السلمي في العراق ونشطائه.

سيكون أسلوب معالجة حكومة مصطفى الكاظمي ملف الاغتيالات من أسباب تجدّد الحراك الجماهيري ضد النظام السياسي في العراق، فأسلوب "التسويف" الذي اعتمده الكاظمي في القبض على الجناة بعد كل عملية اغتيال، من دون أن يتحقق ذلك فعلياً، تسبب في رفع منسوب الشعور بالحيف لدى الشباب بوجه خاص، حتى بدأت تتشكل في الأفق القريب جداً مظاهر انتفاضة جديدة، يقول عنها بعضهم إنها لن تكون سلمية، وستغيّر الواقع الفاسد، وتجتث كل دور إقليمي في العراق، بدلاً من انتظار فرق الموت التي تقطف أرواح قياداتهم بانتقائية قادمة من خارج الحدود.

الشعب العراقي، بكل فئاته القومية والدينية والطائفية، متوافق حالياً، وبشكل شبه جامع، على ضرورة التغيير

مسألة أخرى قد تتأثر بوضوح بعمليات الاغتيالات في العراق، وهي موضوع الانتخابات المبكرة المزمع إجراؤها في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، والتي أعلن الكاظمي عدم الترشّح لخوضها، فقد دعا نشطاء من محافظات الجنوب إلى "مقاطعة النظام السياسي بالكامل"، كما تساءل حزب البيت الوطني الذي خرج من رحم "ثورة تشرين"، في بيان له عقب اغتيال الوزني: "كيف يمكن لحكومة تسمح بمرور مدافع كاتمة الصوت وعبوات أن توفر مناخاً انتخابياً آمناً؟".

قد تظهر ملامح التغيير في واقع العراق ومستقبله خلال العام الحالي (2021) وفق معطياتٍ ترسمها تحرّكات عديدة، يتعلق بعضها بترهل النظام السياسي القائم منذ 2003، وبعضها الآخر يتعلق بنهج جديد تروم الإدارة الأميركية التعامل به مع العراق، بسبب التقرّب الروسي – الصيني من إيران، كما أن الشعب العراقي، بكل فئاته القومية والدينية والطائفية، متوافق حالياً، وبشكل شبه جامع، على ضرورة التغيير، وإلا سيكون البديل حرباً داخليةً كثيرة التضحيات، لكنها ستغير النظام السياسي القائم في العراق نهاية المطاف.